أخبار العالم

الكتاب الذي تجاهلته وسائل الاعلام الإسرائيلية.. إنهض واقتل أولاً، التاريخ السري لعمليات الإغتيال الإسرائيلية

“إنهض واقتل أولاً، التاريخ السري لعمليات الإغتيال الإسرائيلية” عنوان كتاب أصدره الصحافي الإسرائيلي رونين بيرغمان باللغة الإنكليزية عام 2018 في الولايات المتحدة، لوحظ أن وسائل الاعلام الإسرائيلية تجاهلته إلى حد كبير، لما يتضمنه من سردية لتاريخ الكيان الاسرائيلي الاجرامي منذ مرحلة الاعداد لنشوئه حتى تاريخ صدور الكتاب.

يشرح الكاتب رونين بيرغمان في مقدمة الكتاب أنه في مرحلة البحث عن الوثائق السرية لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، التي مرّ عليها خمسون عاماً، راوغت هذه الأجهزة ومنعته من الوصول إليها، وعندما لجأ إلى المحكمة الإسرائيلية العليا، فإن هذه الأخيرة، وبضغط مخابراتي، رفعت فترة الحجر على الوثائق إلى سبعين عاماً عبر تعديل قانوني أظهر بشكل فاضح تسخير القضاء لمصلحة قرارات أجهزة الإستخبارات.

يقول الكاتب “لقد ذهبت كل الجهود التي بذلتها لإقناع المؤسسة العسكرية بالتعاون مع الأبحاث التي أجريها هباءً منثوراً، وواجهت كل الطلبات التي تقدمت بها لأجهزة الإستخبارات لتنفيذ القانون الذي يتيح فتح أرشيفها أمام الوثائق التي تجاوز عمرها الخمسين عاماً، آذاناً صماء، وعند اللجوء إلى المحكمة العليا للمطالبة بتنفيذ القانون، جرت المماطلة لسنوات وإنتهت إلى لا شيء سوى تعديل القانون نفسه عبر تمديد فترة الحجر على الوثائق سبعين عاماً، أي أكثر من عمر الدولة نفسها”.

ومع صدور التعديل على القانون، لم تقف المؤسسة العسكرية مكتوفة الأيدي، يضيف الكاتب، بل إنها، وفي العام 2010، وحتى قبل توقيع عقد كتابة الكتاب، عقدت وحدة العمليات في “الموساد” اجتماعاً خاصاً لمناقشة كيفية عرقلة أبحاث بيرغمان، وأرسلت تعميماً إلى كل موظفي “الموساد” السابقين تنذرهم فيه بعدم إجراء اية مقابلات مع الكاتب، لا بل جرى استدعاء بعض الموظفين الذين كان مشكوكاً بأمر إلتزامهم بالتعليمات، وتم التشديد عليهم بضرورة تنفيذ التعليمات. وتوجه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي عام 2011 إلى قيادة جهاز الامن الداخلي “الشين بيت” بإتخاذ إجراءات زاجرة بحق مؤلف الكتاب “بزعم أن بحوزته وثائق سرية تشكل تهديداً إستخباراتياً”، ومنذ ذلك الحين، قام العديد من الأجهزة بإتخاذ خطوات عدة لوقف نشر الكتاب أو على الأقل وقف نشر أجزاء منه، يقول الكاتب.

إخفاء هويات المصادر

جرت العادة أن تطلب الرقابة العسكرية من وسائل الإعلام أن تضيف شبه جملة “وفقاً لوسائل نشر أجنبية”، عندما تريد أن تذكر أعمالا سرية منسوبة إلى الإستخبارات الإسرائيلية، وبالتحديد عمليات الاغتيال، بهدف إضعاف مصداقية مصادر المعلومة، وعدم إقرار أجهزة الإستخبارات الإسرائيلية بمسؤوليتها عن تلك الاعمال السرية. ووفقاً لهذه القاعدة فإن هذا الكتاب يجب أن يعتبر “وفقا لوسائل نشر أجنبية” ويعفي الأجهزة الإستخباراتية من أية مسؤولية.

على أي حال، فإن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لم تقر بأي من ألف مقابلة شكّلت الاساس الذي بُني عليه محتوى الكتاب، مع مروحة واسعة من المصادر التي تراوحت بين قادة سياسيين أو مسؤولين في وكالات الإستخبارات أو حتى مع منفذي العمليات أنفسهم. ومع ذلك، فإن معظم المصادر المذكورة في الكتاب معروفة بالاسماء الحقيقية، فيما خشيت مصادر أخرى من كشف هوياتها ووافقت على ذكر الحرف الاول من أسمائها وأسماء عائلاتها.

وحتى يؤكد الكاتب على مصداقية ما يذكره في كتابه، يقول إنه بالاضافة إلى المقابلات المذكورة، “لجأت إلى الآلاف من الوثائق التي زودتني بها مصادري من دون أن تسمح الأجهزة الرسمية بنقلها من المؤسسات، وبطبيعة الحال، من دون أن تسمح بتسليمها لي”. ورداً على السؤال البديهي الذي قد يخطر ببال القارىء عن الاسباب التي دفعت تلك المصادر للكلام وتقديم الوثائق للنشر يقول الكاتب “كل واحد من هذه المصادر له هدفه الخاص وأحياناً عنده قصة غير معلنة، ومن الواضح هنا أن بعض الوثائق وعلى الاقل إثنين من المسؤولين الإستخباراتيين المحترفين في عمليات الخداع وإستخدام الاعلام، كانوا يحاولون إستخدامي لتمرير الجانب الذي يخدمهم. لكن وفي كل مقابلة ومع كل وثيقة إستلمتها، كنت أقاطع المعلومات مع أكثر من مصدر للتأكد من أنني لن أكون فريسة الخداع في ما أكتب”.

ويضيف الكاتب أنه من الأسباب الأخرى لإعطائه هذا العدد الكبير من المقابلات والوثائق “هو ذلك التناقض في المجتمع الإسرائيلي، فمن جهة كل ما له علاقة بالإستخبارات والامن القومي يصنف “سرياً للغاية” ومن جهة ثانية كل شخص يريد أن يتكلم عما فعله، وهي أفعال تعتبر في دول أخرى مدعاة للخجل، لكنها مدعاة للفخر عند الإسرائيليين، فهي برأيهم أعمال ضرورية لحماية الكيان الإسرائيلي نفسه. ومع ذلك، فقد نجحت “الموساد” بالحؤول بيني وبين بعض المصادر (في معظم الاحيان بعد أن أكون قد أجريت معهم مقابلات)”.

مائير داغان القاتل الأسطوري

يحاول بيرغمان من خلال هذا العرض إضفاء أكبر قدر من المصداقية على محتوى كتابه، فينطلق في سرده من أول لقاء في تاريخ الكيان الإسرائيلي يجريه قائد لـ”الموساد” مع الصحافيين. إنه مائير داغان، الذي يصفه الكاتب بـ”الجاسوس والقاتل المحترف الاسطوري”. مكان اللقاء كما يذكر رونين بيرغمان، هو مقر قيادة “الموساد” الحصين في أحد الاحياء في شمال تل أبيب، وزمانه كان في الثامن من كانون الثاني/يناير عام 2011. ويقول نقلاً عن داغان غير المحب للصحافة بشكل عام أنه يعتبر الصحافة “وحشاً لا يشبع” لذلك لا معنى لإقامة علاقات مع الصحافيين. ومع ذلك، “قبل ثلاثة أيام من هذا اللقاء، إستلمت وثلة من المراسلين دعوة سرية أثارت دهشتي، لأني وعلى مدى عقد من الزمن، لم أوفر “الموساد” من النقد في كتاباتي وبصورة خاصة لم أوفر داغان نفسه”.

لقد عمل “الموساد” كل ما يمكن من أجل إضفاء أقصى درجات الرهبة على اللقاء، فقد طُلب من الصحافيين ركن سياراتهم في موقف سيارات غير بعيد عن مقر قيادة “الموساد”، وأن يتركوا كل ما بحوزتهم في سياراتهم، باستثناء دفاتر الملاحظات والأقلام… “ومن هناك، جرى نقلنا في حافلة تمت تغطية نوافذها بستائر سوداء. مررنا خلال الرحلة بالعديد من البوابات واللوحات الالكترونية التي توضح ما هو المسموح به وما هو الممنوع داخل حرم المقر، ومن ثم مررنا تحت حواجز الكترونية تكشف على المعادن قبل أن ندخل إلى غرفة الاجتماع مع داغان حيث إنتظرناه بضع دقائق قبل أن يدخل”، يروي الكاتب.

“لم يكن داغان وحيداً عندما دخل الغرفة، بل رافقه الناطق باسم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، ورئيس شعبة المراقبة الاعلامية العسكرية، وهذه كانت امرأة برتبة عميد. وللتوضيح فإن “الموساد” وحدة عسكرية تتبع مباشرة لمكتب رئيس الوزراء، وبحسب القانون، فإن أي تقرير عن أي من أعمالها “يخضع مباشرة للرقابة الاعلامية العسكرية” يقول بيرغمان.

ويضيف الكاتب “ما قاله داغان فاجأ مرافقيْه اللذين كانا يعتقدان أنه دعا إلى هذا الاجتماع كنوع من حفل وداع قبيل تركه مهامه، لأن هذا الاجتماع كان قبل يوم واحد من تقاعده، ولكن مع بدء كلامه وإسترساله، كانت حدقات عيون مرافقيْه تتسع من الدهشة فيما هو يواصل الكلام غير آبه بهما. إذ قال “إن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتصرف بعدم مسؤولية ولأسباب أنانية بحتة وهو يقود البلاد إلى كارثة”.

تصفية علماء نويين إيرانيين

يعود بيرغمان بالتاريخ ثماني سنوات قبل الاجتماع المذكور، فيقول إن رئيس الحكومة حينها أرييل شارون كان قد عين داغان رئيساً لـ”الموساد” حتى يكون مسؤولاً عن ضرب مشروع إيران في الحصول على السلاح النووي، وهو المشروع الذي كان يعتبره الرجلان تهديداً وجودياً لإسرائيل. ويرى الكاتب أن داغان إختار الطريقة الاصعب ولكن الاكثر تأثيراً لتنفيذ المهمة الموكلة اليه. فقد كان يعتقد أن تحديد العلماء النوويين وعلماء الصواريخ الايرانيين وتحديد أمكنة إقامتهم وحركتهم ومن ثم قتلهم هي الطريقة الأفعل لضرب المشروع النووي الايراني. وقد حدد جهاز “الموساد” خمسة عشر عالماً وتمكنت من تصفية ستة منهم بعمليات أحادية، من خلال إستهدافهم الواحد تلو الآخر، عندما يكونون في طريقهم الى عملهم، حيث يقوم سائق دراجة نارية بلصق عبوة ناسفة بسياراتهم قبل وقت قصير من التفجير. كما تم اغتيال قائد في الحرس الثوري الايراني كان مسؤولاً عن مشروع الصواريخ البالستية الايرانية بتفجير عبوة كبيرة في مكتبه حيث قتل مع سبعة عشر من رجاله.

يقول الكاتب إن هذه العمليات وأخرى مماثلة نفذها “الموساد”، والبعض منها بتنسيق كامل مع الولايات المتحدة الاميركية، كانت ناجحة للغاية، لكنها لم تكن كافية لرئيس الوزراء نتنياهو ووزير دفاعه إيهود باراك، اللذين بدءا يشعران أن الحاجة لهما بدأت تتراجع، فقررا أن هذه العمليات لم تعد فعالة في تأخير المشروع النووي الايراني وأن القصف الجوي العنيف والواسع للمنشآت النووية الايرانية من شأنه منع إيران من حيازة سلاح نووي. هذا الامر عارضه داغان بشدة لأنه كان على قناعة بأن اللجوء إلى خيار الحرب المفتوحة يتم فقط عندما “يصبح حد السيف على الحنجرة” أو كخيار أخير لا بديل له.

وينقل الكاتب عن داغان قوله “إن الاغتيال له تأثير كبير على المعنويات كما له تأثير فعلي مادي مباشر، فلا أعتقد أنه كان هناك العديد من الاشخاص الذين كان بإمكانهم الحلول مكان نابوليون او روزفلت او ونستون تشرشل، فالعامل الفردي يلعب دورا أساسياً، واذا كان صحيحاً القول ليس من شخص لا يمكن إستبداله ولكن الفرق شاسع بين إستبدال شخص قوي وحيوي بشخص لا حياة في شخصيته”.

إقتل السائق

ووفق نظرية داغان، فإن الاغتيال هو بشكل أساسي أمر معنوي أفضل من خوض حرب كبيرة، فتصفية عدد من الشخصيات يكون كافياً لتفادي خيارات أخرى غير ضرورية وينقذ حياة عدد لا يحصى من الجنود والمدنيين على طرفي الصراع. ويضيف أن حرباً واسعة النطاق ضد ايران يمكن أن تؤدي إلى صراع واسع المدى في الشرق الاوسط وقد لا تتسبب بالضرر المطلوب للمشروع النووي الايراني. ويختم داغان أن شنّ إسرائيل الحرب على ايران سيشكل إدانة لكل مهنته وسيذكر التاريخ أنه لم ينفذ المهمة التي أوكلها اليه شارون لوضع حد لطموحات إيران النووية عبر العمليات السرية بدل خوض هجوم معلن. ولمزيد من شرح نظريته الداعمة للاغتيال بدل الحرب يقول داغان “في بعض الاحيان، يكون أكثر فعالية أن تقتل السائق، وهذا يكون كل شيء”.

يقول الكاتب إن معارضة داغان إلى جانب ضغوط كبيرة من كبار مسؤولي الإستخبارات دفعت إلى تأجيل الضربات الجوية على إيران عدة مرات. ولم يتورع داغان عن التوجه مباشرة إلى مدير وكالة الإستخبارات المركزية الاميركية (سي اي ايه) ليون بانيتا من دون إذن نتنياهو ليشرح خطة الاخير لضرب إيران ويحذر من عواقبها، ما أدى إلى قيام الرئيس الاميركي باراك أوباما بتوجيه تحذير شديد اللهجة لنتنياهو لوقف خطته. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع نسبة التوتر بين داغان ونتنياهو، لكن هذا التوتر إزدادت وتيرته مع عملية الاغتيال ضد احد قادة حركة “حماس” الذي كان في زيارة إلى دبي، وقد نفذت العملية مجموعة مؤلفة من 27 عنصراً من “الموساد”..

تغيير مجرى التاريخ

يقول رونين بيرغمان في كتابه ان عملية الاغتيال التي نفذتها مجموعة من “الموساد” ضد محمود المبحوح، احد قادة “حماس” في مدينة دبي الاماراتية، كانت كالقشة التي قصمت ظهر البعير في العلاقة بين رئيس “الموساد” مائير داغان ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. فقد ارسل داغان فريقاً من 27 ضابطاً وعنصراً من القتلة المحترفين الى دبي لقتل مسؤول فلسطيني رفيع في حركة “حماس”، وقد نجح الفريق في تنفيذ مهمته عبر حقن المسؤول الفلسطيني بحقنة قاتلة في غرفته، في احد فنادق دبي، وغادر الفريق دولة الامارات قبل اكتشاف جثة المغدور، ولكن ما لم يكن بحسبان “الموساد” هي سلسلة الاخطاء الجوهرية التي ارتكبها اعضاء الفريق، والتي بدأت بتجاهل وجود عدد لا يحصى من كاميرات المراقبة المنتشرة ليس فقط في الفندق بل في كل شوارع هذه الامارة الخليجية ومؤسساتها، واستخدام جوازات السفر المزورة نفسها التي كان اعضاء الفريق قد استخدموها سابقاً عند دخولهم الى دبي خلال عملية الملاحقة والترصد واستخدام نفس مجموعة الهواتف التي لم يكن من الصعب على الشرطة الاماراتية متابعتها وفك “الداتا” الخاصة بها، وهكذا فقد ظهرت امام العالم كله مقاطع فيديو مأخوذة من كاميرات المراقبة تظهر وجوه اعضاء الفريق وكل حركاتهم قبل عملية الاغتيال وبعدها.

لقد بينت كل تلك الاخطاء ان عملية الاغتيال تحمل بشكل واضح بصمة “الموساد” وقد تسببت باضرار عملياتية جدية لهذا الجهاز الاستخباراتي، يقول بيرغمن، كما تسبب باحراج شديد لدولة اسرائيل التي إستخدمت جوازات سفر مزورة لدول غربية صديقة لها. وهكذا، فقد صرخ نتنياهو في وجه داغان، وهو يزبد قائلاً له: “لقد اخبرتني ان العملية ستكون سهلة وبسيطة وان نسبة الخطأ فيها قريبة جداً من الصفر”. على الفور، اصدر امره لداغان بوقف كل عمليات الاغتيال التي كان مخططاً ان تتم ولكل عمليات “الموساد” في الخارج حتى اشعار آخر. هكذا، تصاعدت حدة الخلافات بين نتنياهو وداغان الى ان قرر نتنياهو (بحسب روايته هو) ان لا يمدد ولاية داغان لرئاسة “الموساد” او بحسب رواية داغان “لقد سئمت منه وقررت ان اتقاعد”.

القتل الهادف

وفي عودة الى الملف النووي الايراني، ينقل بيرغمن عن داغان قوله خلال لقائه الاول مع الصحافيين في مقر “الموساد”، وفي مقابلات اخرى اجراها معه في اطار ابحاثه المسبقة لاعداد الكتاب انه كان بمقدور “الموساد” تحت قيادته وقف ايران عن حيازة اسلحة نووية عبر عمليات الاغتيال وضربات موضعية اخرى، وقد اعرب عن ثقة قوية بان العمل مع الولايات المتحدة يمنع ايران من استيراد بعض القطع الحيوية لمشروعها النووي بسبب عدم قدرتها على تصنيعها..

يسترسل بيرغمن في كتابه بالقول “انه من بين كل الوسائل التي تستخدمها الديمقراطيات في العالم لحماية امنها، لا شيء اكثر اثارة للجدل من عمليات قتل السائق، الاغتيال”. البعض يسميها “تصفية” ووكالات الاستخبارات الامريكية تسميها، ولاسباب قانونية، “عمليات القتل الهادفة”، وفي كل الاحوال، فان كل التعابير تنتهي الى معنى واحد وهو قتل فرد ما (نظرية قتل السائق)، وذلك من اجل تحقيق هدف محدد ألا وهو انقاذ حيوات اناس ينوي المستهدف ان يقتلهم وازالة الخطر الذي يشكله هذا الهدف، واحيانا يكون الهدف من قتل قائد ما هو تغيير مجرى التاريخ، يضيف الكاتب.

ويرى بيرغمن ان استخدام دولة ما للاغتيال يثير معضلتين، الاولى، تتمثل في السؤال الآتي: هل عملية الاغتيال فعالة؟ اي هل ان تصفية فرد ما او مجموعة افراد ستجعل العالم اكثر اماناً؟ الثانية، تتمثل في السؤال هل عملية الاغتيال مبررة اخلاقياً وقانونياً؟ وهل ان قيام بلد ما باستخدام اسوأ انواع الجرائم وفق اي قانون او اخلاق (حرمان انسان او مجموعة بشر من حياتهم) من اجل حماية مواطنيها؟ يسأل الكاتب.

يترك بيرغمن الاجابة عن هذه الاسئلة للقارىء، قبل أن يمضي في شرح مضمون كتابه بالقول “ان هذا الكتاب يتعامل بصورة رئيسية مع عمليات الاغتيال والقتل الهادف التي نفذها جهاز “الموساد” والاذرع الاخرى للحكومة الاسرائيلية في حالتي السلم والحرب، كما يتعامل في فصوله الاولى مع مثل هذه العمليات التي نفذتها منظمات وميليشيات سرية قبل نشوء دولة اسرائيل والتي صارت بعد العام 1948 الجيش الرسمي لهذه الدولة واجهزة الاستخبارات الرسمية لها.

800 عملية إغتيال

ويخلص بيرغمن من خلال مضمون الوثائق التي حصل عليها والمقابلات التي أجراها إلى انه منذ الحرب العالمية الثانية كانت اسرائيل من بين الدول الغربية الاكثر تنفيذا لعمليات اغتيال، ويضيف، في عدد لا يحصى من المناسبات، فان قادة اسرائيل قرروا انه من بين كل الخيارات المتاحة، فان ما هو افضل للدفاع عن امن بلادهم القومي هو تنفيذ عمليات اغتيال وتفجيرات موضعية. وبرأيهم ان هذه العمليات تحل المشاكل التي تعاني منها الحكومة واحياناً تغير مجرى التاريخ”.

يشير بيرغمن إلى أن قيام جهاز “الموساد” واجهزة استخبارات اسرائيلية اخرى بعمليات اغتيال لاشخاص مصنفين كتهديد مباشر للامن القومي “قد ارسل رسالة اكبر من عملية الاغتيال نفسها ومفادها اذا كنت عدوا لاسرائيل فاننا سنجدك ونقتلك اينما كنت”

يعرض بيرغمن أنه حتى كتابة هذا الكتاب (الذي نشر في الولايات المتحدة باللغة الإنكليزية في العام 2018)، نفذت اسرائيل 800 عملية قتل هادف تقريبا، كلها كانت من ضمن حربها ضد “حماس” في قطاع غزة، في اعوام 2008 و2012 و2014 او في اطار عمليات “الموساد” في الشرق الاوسط ضد اهداف فلسطينية وسورية وايرانية (أغلبها بالمسيرات). وللمقارنة هنا، فان الولايات المتحدة الامريكية نفذت في عهد الرئيس جورج دبليو بوش 48 عملية إغتيال وفي عهد الرئيس باراك اوباما نفذت 353 عملية مشابهة.

ويضيف بيرغمن “لا شيء اروع مما قاله الرئيس السابق لوكالة المخابرات الامريكية (سي آي أيه) ووكالة الامن القومي الامريكية (ان اس ايه) الجنرال مايكل هايدن في استخدام سلاح الاغتيال القائم على الاستخبارات، لانه هو ما جعل حرب اسرائيل على الارهاب اكثر فعالية من اي حرب مشابهة خاضتها اية دولة غربية على الاطلاق، ففي عدد كبير من المناسبات، كان القتل الهادف هو ما انقد اسرائيل من أزمات عميقة”.

الضوء الأخضر

ويقول بيرغمن انه “ليس كل عمليات الاغتيال نفذتها مجموعات صغيرة ومغلقة، لانه كلما كانت العملية معقدة كلما كان عدد المشاركين فيها اكبر وقد يصل الى المئات، ومعظمهم اعمارهم دون 25 سنة، وفي بعض الاحيان، كان هؤلاء الشباب يأتون مع قادتهم قبل التوجه لتنفيذ عمليتهم للقاء رئيس الوزراء (وهو الشخص الوحيد المخول باعطاء الضوء الاخضر لعمليات الاغتيال) حيث يشرح لهم العملية ويعطيهم الموافقة النهائية الشفهية، وهذا امر فريد من نوعه في العالم، وبعض الضباط من الرتب الصغيرة الذين شاركوا في مثل هذه اللقاءات ارتقوا ليصبحوا قادة وطنيين وحتى رؤساء حكومات، لذلك اسأل ما هي العلامات التي طبعت في ذاكرة هؤلاء عن عمليات الاغتيال والقتل الهادف التي شاركوا فيها”؟

ويشير الكاتب إلى ان الولايات المتحدة اخذت من اسرائيل تقنيات الاغتيال كنموذج بعد احداث 11 ايلول/سبتمبر 2011 وتنفيذا لقرار الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش لشن حملة قتل هادفة ضد تنظيم “القاعدة” استخدمت اجهزة الاستخبارات الامريكية تقنيات وطرق الحرب على الارهاب التي ابتكرتها اسرائيل ومن ضمنها نظام السيطرة والقيادة، غرف العمليات، طرق جمع المعلومات وتقنيات المسيرات الطائرة والطائرات من دون طيار.

ويختم بيرغمن مقدمة كتابه بالقول عندما تستخدم الولايات المتحدة ضد اعدائها اليوم نفس نوع القتل الخارج عن القانون الذي دأبت اسرائيل على استخدامه لعقود خلت، من المناسب ليس فقط ابداء الاعجاب بالقدرات العملياتية التي انجزتها اسرائيل بل ايضا دراسة السعر الاخلاقي العالي الذي دفع ولا يزال يدفع لاستخدام هكذا نوع من القوة.

نافورة دماء من رأس ويلكين

ينطلق رونين بيرغمان في سرده من تأسيس بريطانيا لاول لواء عسكري من يهود العالم لمساعدتها في الحرب العالمية الثانية، تحوّل عناصره وضباطه لاحقاً حتى يكونوا نواة المنظمات الصهيونية الارهابية التي لاحقت الضباط النازيين وقامت بتصفيتهم في جميع أرجاء أوروبا والعالم، وخلال عملياتها هذه ـ يقول الكاتب ـ إن العشرات من الأبرياء قتلوا، إما للشبهة وإما كأضرار جانبية لعمليات الإغتيال.

يعود بيرغمان بالتاريخ إلى العام 1896، عندما نشر الصحافي اليهودي النمساوي تيودور هيرتزل كتابه “الدولة اليهودية”، فيقول إن الاخير ناقش معاداة السامية التي كانت معشعشة في عمق الثقافة الاوروبية وأن “الشعب اليهودي يمكنه تحقيق الحرية الحقيقية والأمان فقط في دولته الخاصة”. ولكن معظم أبناء النخبة اليهودية في أوروبا الغربية والتي كانت تعيش حياة مريحة، رفضت فكرة هيرتزل، يقول بيرغمان، لكن جمهور الفقراء والعمال اليهود في أوروبا الشرقية، رحبوا بهذه الأفكار وتبنوها على نطاق واسع، كونهم كانوا يعانون من قمع دموي جعل الكثيرين منهم ينضمون إلى مجموعات وإنتفاضات يسارية في البلدان التي كانوا يعيشون فيها، على حد قول الكاتب.

ويقول بيرغمان إن هيرتزل نفسه رأى في فلسطين، أرض أجداد اليهود، المكان المثالي لإقامة الدولة اليهودية في المستقبل، لكنه كان يعتقد أن أي إستيطان في تلك الأرض، يجب أن يتم بهدوء وروية وعبر القنوات الدبلوماسية وبدعم دولي، كي تتمكن هذه الدولة من العيش بسلام. وبذلك يكون هيرتزل قد أسّس ما عُرف لاحقاً بنظرية “الصهيونية السياسية”.

اللواء اليهودي

خلال الحرب العالمية الثانية، تطوع نحو 38 ألفاً من يهود فلسطين لمساعدة الجيش البريطاني والخدمة في صفوفه، ولم يعرف البريطانيون في البداية ماذا يفعلون بهذه الأعداد من المتطوعين، فنظموهم في إطار ما أسموه “اللواء اليهودي”، وارسلوهم للتدريب في إحدى القواعد العسكرية البريطانية في مصر، ومن ثم عادوا وأرسلوهم إلى أوروبا للقتال إلى جانب قوات الحلفاء، وبصورة أساسية في كل من إيطاليا والنمسا، فرأى ضباط وجنود هذا اللواء بأم العين رعب “الهولوكوست”، وأرسلوا تقارير إلى القيادات اليهودية في فلسطين، ومن بين هؤلاء الجنود، كان موردخاي غيشون، وهو من مواليد برلين عام 1922 لأب روسي وأم يهودية ألمانية كان أخوها الحاخام ليو بايخ زعيم حزب “اليهود الألمان الأحرار”، وهو حزب إصلاحي، وكان على غيشون أداء التحية النازية وإنشاد النشيد النازي في المدرسة الألمانية التي كان يتعلم فيها قبل الهجرة مع عائلته إلى فلسطين في العام 1933، لكنه عاد إلى أوروبا في إطار “اللواء اليهودي”، ليجد أن المجتمع اليهودي قد دُمّر بالكامل على أيدي النازيين، وينقل بيرغمان عن غيشون قوله “لقد آن الاوان للإنتقام، لقد كنت أحلم بأن أحد أشكال الانتقام تتضمن قتل صديق ألماني عزيز عليّ جداً يدعى ديتليف، فقط لأن والده كان ضابطاً في الشرطة الألمانية، بهذه الطريقة فقط نستطيع إستعادة الكرامة اليهودية المهدورة”. موردخاي الذي يحمل كل هذا الحقد والكراهية، أصبح لاحقاً أحد مؤسسي الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية.

يقفز بيرغمان في سرده التاريخي من الأقدم إلى الأحدث وبالعكس، فيروي بطريقة لا تخلو من التشويق، وقائع عملية إغتيال رئيس مكتب التحقيق الجنائي البريطاني في فلسطين توم ويلكين في 24 أيلول/سبتمبر عام 1944 على أيدي نشطاء من منظمة “ليهي” (“المحاربون من أجل حرية إسرائيل”) الصهيونية السرية التي كانت تحارب الإنتداب البريطاني في فلسطين في أوائل أربعينيات القرن العشرين، والتي كانت تعتبرها سلطات الإنتداب منظمة إرهابية، وتطلق عليها تسمية “عصابة شتيرن”، تيمناً باسم مؤسسها القومي المتطرف ابراهام شتيرن، وقد كان قائد هذه المنظمة الارهابية اسحاق شامير (الذي أصبح لاحقاً رئيس وزراء “دولة اسرائيل”)، ويقول شامير نفسه إن المنظمة نفّذت الكثير من عمليات الإغتيال والقتل المتعمد والتفجير في إطار حملة “الإرهاب الشخصي”.

مكتب التحقيق و”ليهي”

ويبرر بيرغمان قرار إغتيال توم ويلكين بالقول إن الاخير كان رئيس الوحدة اليهودية في مكتب التحقيق الجنائي في فلسطين (سي اي دي)، وكان يقوم بعمله بصورة ممتازة، لا سيما في خرق المنظمات الصهيونية السرية بعملائه وتمكنهم من وقف الكثير من انشطتها وعملياتها، وكان بعد 13 عاماً من الخدمة في فلسطين، يتكلم العبرية بطلاقة وباتت لديه شبكة واسعة من المخبرين الذين بفضلهم تمكن ويلكين من اعتقال العديد من النشطاء السريين ومصادرة كميات كبيرة من الاسلحة، ناهيك بإحباطه الكثير من العمليات التي كانت تهدف إلى إكراه البريطانيين على مغادرة فلسطين.

يقول بيرغمان إن ويلكين كان يعرف أن منظمة “ليهي” الارهابية تستهدفه لأنها حاولت عام 1942 إغتياله مع رئيسه البريطاني جيفري مورتون في أوائل عمليات الإغتيال التي نفذتها، ففي 20 كانون الثاني/يناير من ذلك العام، زرع أعضاء المنظمة عبوات ناسفة على سطح أحد الطوابق داخل مبنى يقع في شارع يائيل ثمانية في تل أبيب، ولكن إنفجار العبوات أدى الى مقتل ثلاثة رجال شرطة، إثنان منهم يهود والثالث إنكليزي. وغادر مورتون فلسطين بعد محاولة إغتيال أخرى أدت الى إصابته بجروح اثر مقتل مؤسس “ليهي” ابراهام شتيرن في صدام مسلح مع الـ”سي اي دي”.

في تلك الليلة، كمن ديفيد شومرون ورفيقه ياكوف باناي (اسمه الحركي “مازال” اي “الحظ”) لتوم ويلكين قرب أحد مقرات الـ”سي اي دي” في شارع السان جورج في القدس، غير آبهين بأن للمستهدف عائلة وأقارب، بل كل ما يعنيهم، أنه يشكّل هدفاً ذات قيمة فقط، بحسب قول شومرون نفسه بعد عقود من تلك العملية. قرار الإغتيال أصدره رئيس المنظمة اسحاق شامير نفسه. في تلك الليلة، تزود شومرون وباناي بمسدسات وقنابل يدوية فيما كانت مجموعة الدعم تننتشر في المكان، متنكرة ببدلات رسمية وقبعات على النسق الأنكليزي. عندما خرج ويلكين من مقر إقامته، متجهاً سيراً على الأقدام الى مباني الـ”سي اي دي”، حيث كانت تجري التحقيقات مع عناصر المنظمات الارهابية الصهيونية، وما ان مرّ من زاوية تقاطع شارعي السان جورج وميا شيريم، حتى نهض فتى في محل بقالة على مقربة من الزاوية ورمى قبعته بالأرض، هذه كانت الإشارة للبدء بتنفيذ العملية، مر شومرون وباناي من أمام ويلكين وتأكدا من انه الهدف المحدد فعلاً (عرفاه من خلال صور اعطيت لهم مسبقاً)، وتجادلا من يطلق النار أولاً حيث “ان باناي كان يريد ان يفعل ذلك ولكن ما ان استدرنا معاً نحوه لم أتمالك نفسي وأطلقت النار أولاً”، يقول شومرون ويضيف، “من بين 14 طلقة أطلقناها، أصيب ويلكين بـ11 طلقة علما أنه بعد الطلقات الأولى، تمكن من سحب مسدسه، ليرد علينا لكنه تهاوى ووقع ووجهه الى الارض ونافورة دماء تنبع من رأسه”.

اسحق بنزافي

وعلى الفور، غادر شومرون وباناي نحو ظلال الأبنية، حيث كانت في إنتظارهم سيارة تاكسي يقودها أحد أعضاء منظمة “ليهي”. يقول شومرون عن العملية “إن الشيء الوحيد الذي أسفت عليه هو أني لم آخذ حقيبة يد ويلكين التي كانت بالتأكيد تحوي الكثير من الوثائق، باستثناء ذلك، لم يتمالكني أي شعور ولو ضئيل بالذنب، لأننا كنا نؤمن أنه كلما زاد عدد التوابيت التي تعود الى لندن كلما اقترب موعد يوم الحرية”.

يقول بيرغمان ان استراتيجية استخدام القوة كطريق وحيد لاعادة الشعب اليهودي الى “ارض اسرائيل” لم تكن صنيعة منظمة “ليهي” ولم يخترعها شتيرن بل تعود جذورها إلى ثمانية رجال إجتمعوا في شقة عبارة عن غرفة واحدة تطل على حقل برتقال في مدينة يافا في 29 أيلول/سبتمبر 1907، أي بالتحديد قبل سبعة وثلاثين عاماً من نافورة الدماء التي إنطلقت من رأس ويلكين. حينذاك، كانت فلسطين لا تزال جزءاً من الأمبراطورية العثمانية، وكان قد استأجر تلك الغرفة مهاجر روسي يدعى اسحق بنزافي جاء الى فلسطين شأنه شأن باقي زملائه السبعة الآخرين في الغرفة الذين كانوا قد غادروا هم ايضا الأمبراطورية الروسية، وكانوا جميعاً صهاينة ملتزمين تبنوا فكرة “الصهيونية السياسية” لهيرتزل وزادوا عليها “بدلاً من إنتظار أن يعطينا العالم وطناً يجب أن نعمل على بناء وطننا بأنفسنا عبر العودة الى فلسطين والعمل في الأرض وجعل الصحراء تزهر وذلك كحق تاريخي لنا والدفاع عن هذا الحق بكل قوة”.

 ويضيف بيرغمان أن هذه الإستراتيجية وضعت الصهاينة الملتزمين في مواجهة مباشرة مع معظم اليهود الذين كانوا أساساً يعيشون في فلسطين كأقلية صغيرة في الأرض العربية، وكانوا بمعظمهم يعملون كباعة متجولين أو طلبة مدارس دينية أو موظفين في الإدارة العثمانية، وكان هؤلاء قانعين بما هم عليه من حياة عبر التذلل والرشوة والتسويات التي كانت تعطيهم نسبة عالية من السلام والأمن في حياتهم.

ويتابع الكاتب، لم ترق تلك الحياة لبنزافي وللقادمين الجدد لأنهم وجدوا أن الكثير من اليهود كانوا يعيشون في العوز، ولا يملكون ما يدافعون به عن أنفسهم، وبطبيعة الحال كانوا تحت رحمة الغالبية العربية ومزاجية المسؤولين العثمانيين الفاسدين، وما وجده بنزافي وصحبه أسوأ الأمور، هو إعتماد اليهود على حراس عرب لحماية مستوطناتهم، وهؤلاء كانوا بدورهم يتواطأون مع مجموعات عربية لمهاجمة المستوطنات. وقد اعتبر بنزافي وصحبه أن هذا الأمر غير مقبول ولا يحتمل، وقد كان بعض صحبه أعضاء في حركات ثورية يسارية روسية قبل القدوم الى فلسطين. إحدى هذه الحركات كانت “نارودنيا فوليا” أي “ارادة الشعب”، وهي منظمة سرية متطرفة ضد القيصر في روسيا وتعتمد تكتيكات الإرهاب ومن ضمنها الإغتيال. وقد أدى فشل الثورة في روسيا عام 1905 إلى إحباط العديد من الثوريين والديمقراطيين الإشتراكيين والليبراليين، ما جعلهم ينزحون الى فلسطين لـ”إعادة” بناء الدولة اليهودية.

بنزافي وصحبه السبعة القادمين من روسيا القيصرية، كانوا فقراء للغاية بالكاد يحصلون على قوت يومهم عبر العمل المضني في الحقول وبساتين الليمون، وغالباً ما يناموا جائعين، ولكنهم كانوا فخورين بكونهم صهاينة، وكانوا يؤمنون أنه لبناء دولتهم يجب أن يبدأوا بالدفاع عن أنفسهم بأنفسهم، وهكذا فقد سار هؤلاء إفرادياً أو كل اثنين معاً، ليلاً في شوارع يافا، وتوجهوا الى تلك الغرفة في 29 أيلول/سبتمبر 1907 لتأسيس أول مجموعة يهودية محاربة في التاريخ الحديث، وتعاهدوا في ما بينهم أنه “لن يبقى اليهودي في صورة الضعيف والمضطهد في أي مكان في العالم، ووحدهم اليهود سيدافعون عن اليهود”. وأطلقوا على مجموعتهم إسم “بار غيورا” تيمناً باسم قائد ثورة اليهود ضد الامبراطورية الرومانية في القرن الأول بعد الميلاد وتبنوا شعار “بالنار والدم سقطت يهودا وبالنار والدم ستنهض يهودا”.

ويختم رونين بيرغمان هذا الفصل بالقول “صحيح أن يهودا ستنهض وسيصبح بنزافي يوماً ما الرئيس الثاني لدولة إسرائيل، ولكن قبل ذلك، سيكون هناك الكثير من النيران والكثير من الدماء”.

ماذا فعلت “الهاغاناه” بالإنكليز

يقول رونين بيرغمان ان منظمة “بار غيورا” كانت في بدايتها حركة شعبية، ولكن مع مجيء المزيد من المهاجرين اليهود الى فلسطين من روسيا واوروبا الشرقية (بمعدل 35 الف مهاجر سنويا بين العامين 1905 و1914) حاملين معهم الفلسفة الصهيونية نفسها اخذت المنظمة تعيد تركيب تنظيمها لتصبح منظمة اكثر عسكرة تحت اسم “الحرس” او “هاشومير” باللغة العبرية. وبدءا من العام 1912 كانت تتولى المنظمة حراسة 14 مستوطنة يهودية واخذت تطور قدراتها لتصبح هجومية اكثر منها دفاعية وذلك في اطار ما كانت تعتبره الحركة الصهيونية حربا لا بد واقعة من اجل السيطرة على كل فلسطين، وبالتالي، رأت “هاشومير” نفسها النواة التي سيبنى عليها لاحقا الجيش اليهودي وكل وكالات استخباراته.

راح عناصر “هاشومير” يغيرون على القرى والبلدات الفلسطينية لـ”معاقبة” المواطنين الذين تسببوا بالاذى لليهود، وذلك اما بضربهم او باعدامهم، ولم تتورع المنظمة عن استخدام قوتها ضد يهود تشتبه بتعاونهم مع العثمانيين. وفي العام 1920 طورت “هاشومير” نفسها شكلا ومضمونا لتصبح تحت اسم قوات الدفاع اي “الهاغاناه” باللغة العبرية.

وقبل مضيه قدما في سرده التاريخي، يورد بيرغمان نبذة عن حياة ديفيد بن غورين قائلا انه ولد عام 1886 في بولندا تحت اسم ديفيد يوسف، وبدأ في سن مبكرة يسير على خطى والده كناشط صهيوني وهاجر الى فلسطين عام 1906 حيث انه بفضل الكاريزما التي كان يتمتع بها، وعلى الرغم من صغر سنه، اصبح احد ابرز قادة المجتمع اليهودي، عندها، غيّر اسمه ليصبح ديفيد بن غوريون تيمناً باحد قادة الثورة اليهودية على الامبراطورية الرومانية.

“الهاغاناه”.. وأولادها

ويقول بيرغمان ان “الهاغاناه” تأثرت كثيرا بالروح العدوانية التي كانت تتمتع بها منظمة “هاشومير”، ولم تتورع عن قتل يهود معارضين لها. ففي 30 حزيران/يونيو 1924 قتل اعضاء من “الهاغاناه”  في احد شوارع يافا يعقوب دي هان، اليهودي الحريديمي (يهود متطرفون)، وقد اعتبرت “الهاغاناه” ان دي هان معاد للصهيونية، وجاءت عملية اغتياله عشية سفره المقرر الى بريطانيا لثنيها عن وعدها لليهود بدولة لهم في فلسطين (وعد بلفور). وقد صدر قرار اغتيال يعقوب دي هان عن اسحاق بنزافي الذي اصبح احد ابرز قادة “الهاغاناه”.

لم يرض بن غوريون عن عملية الاغتيال هذه، واعتبر ان هكذا عمليات تبعد الدعم البريطاني لدولة اليهود. وينقل بيرغمان شهادة لقائد “الهاغاناه” ايزرائيل جاليلي يقول فيها إن بن غوريون رفض في اكثر من مناسبة اعطاء الموافقة على اغتيال شخصيات عربية مثل القائد الفلسطيني الحاج امين الحسيني واعضاء اخرين في اللجنة العربية العليا، كما رفض قتل بريطانيين بينهم مسؤول رفيع في سلطات الانتداب البريطاني كان يضع العراقيل امام مشاريع الاستيطان اليهودي.

لم ترق مواقف بن غوريون للعديد من قادة واعضاء “الهاغاناه”، ومن ضمنهم ابراهام تيهومي الذي نفذ عملية اغتيال يعقوب دي هان، فانشق هو وعدد من قادة واعضاء “الهاغاناه” عن المنظمة في العام 1931، واسّسوا منظمة “ايرغون زفاي ليومي”، اي “المنظمة العسكرية الوطنية” التي اعتمدت اختصارا لاسمها كلمة “ايتزال”، أما الانكليز، فقد أسموها “ايزل” او “ايرغون”. تولى قيادة هذه المنظمة اليمينية المتطرفة في اربعينيات القرن الماضي مناحيم بيغن الذي اصبح في العام 1977 رئيسا للوزراء.

يقول بيرغمان ان بن غوريون كان لا يزال على موقفه الرافض للاغتيال والقتل المتعمد إنتقاماً لضحايا “المحرقة”، وصرح اكثر من مرة “ان الانتقام الآن لا قيمة له، فهو لن يعيد الحياة للملايين الذين قتلوا”. لكن العديد من قادة “الهاغاناه” كانوا يعتبرون الاغتيال والقتل المتعمد تحقيقاً للعدالة التاريخية وردعاً لاية عمليات قتل لليهود في المستقبل، وخطط هؤلاء لعمليات انتقامية ضد النازيين ومن تحالف معهم.

الأرشيف النازي

بعد الحرب العالمية الثانية، تأسست داخل “اللواء اليهودي”، الذي كان الانكليز قد اسّسوه خلال الحرب، وحدة سرية بأمر من القيادة العليا في “الهاغاناه” ومن دون علم السلطات الانكليزية، واسميت “غمول” اي “التعويض”، ومهمتها الانتقام من رجال المخابرات النازية الالمانية “اس. اس” الذين شاركوا بأنفسهم في عمليات قتل اليهود.

وينقل بيرغمان عن موردخاي غيشون قوله بعدما كُسر جدار الصمت في الحديث عن تلك المرحلة “بحثنا عن السمكة الكبيرة، كبار المسؤولين النازيين الذين خلعوا بزاتهم العسكرية وعادوا لمنازلهم”.

عمل عملاء “غمول” بسرية تامة في اطار عملهم داخل “اللواء اليهودي”، حتى غيشون نفسه حمل خلال مطاردة النازيين هويتين مختلفتين، واحدة كمواطن الماني واخرى كضابط انكليزي برتبة رائد. وبصفته مواطناً المانياً، تمكن غيشون من انقاذ الارشيف النازي في مدن ترافيزيو وفيللاخ وكلاغنفورت بعد ان اشعل النازيون النار فيه، ولكن غيشون وصل اليه قبل ان تلتهم النيران كل شيء فيه وحصل على معلومات مهمة منه. وبصفته ضابطاً انكليزياً، حصل غيشون على معلومات كثيرة من الشيوعيين اليوغوسلاف ومن ضباط مخابرات يهود امريكيين.

استخدم عملاء “غمول” أيضاً عمليات الابتزاز والاكراه للحصول على المعلومات، ففي حزيران/يونيو 1945، وجد هؤلاء العملاء في ترافيزيو زوجين المانيين من اصول بولندية، كانت الزوجة تعمل على نقل ممتلكات مسروقة من اليهود من النمسا الى ايطاليا والمانيا في ما كان زوجها مساهماً في ادارة مكتب اقليمي لـ”الغستابو”. فعرض الضباط اليهود عليهما التعاون او الموت. هنا ينقل بيرغمان عن يسرائيل كارمي (رئيس الشرطة العسكرية الاسرائيلية بعد قيام دولة “اسرائيل”) قوله “لقد كلفت الزوج بإعداد لائحة تضم كبار المسؤولين النازيين الذين عرفهم وكانوا من “الغستابو” وجهاز “اس اس”، تتضمن الاسماء وتواريخ الميلاد ومستوى التعليم والمواقع التي تولوها.. فكانت النتيجة مذهلة، لقد حصلنا على لوائح فيها العشرات من الاسماء تولى عناصر “غمول” ملاحقتها ومنهم من كانوا جرحى في مستشفيات محلية تحت اسماء وهمية، ومن هؤلاء تم الحصول ايضاً على معلومات اضافية كثيرة بعد ان كان يعدهم عناصر “غمول” انهم ان تعاونوا، لن يتعرضوا لأذى ولكن بعد ان تستنفذ منهم كل معلوماتهم، كان يصار الى اعدامهم واخفاء جثثهم”.

تولى غيشون شخصياً الكثير من عمليات القتل التي كانت تبدأ أولاً بالتحقق من اسم الهدف وتحديد مكانه وبعدها الحصول على كل تفاصيل حركته. يقول غيشون المولود في المانيا “لم يشتبه احد بي فقد كانت اوتاري الصوتية من اصول برلينية. كنت اقف عند محل بقالة او قرب ملهى او حتى كنت اقرع الباب لنقل التحيات إلى شخص ما، في معظم الاحيان، كان الهدف يرد عندما اناديه باسمه الحقيقي او يلزم الصمت، وهذا كان بمثابة تأكيد لمعلوماتي، وما ان يتم التأكد من الهوية حتى كنت ارسم خارطة تفصيلية لمنزل الهدف او للمنطقة التي ستتم تصفيته فيها”.

 كانت عملية الاغتيال تتم بواسطة فرق لا يتجاوز عديد الواحدة منها الخمسة افراد، وكان هؤلاء في معظم الاحيان عند لقائهم مع الهدف يرتدون الزي العسكري البريطاني حيث يقولون للهدف انهم يريدون اخذه للتحقيق، فكان الهدف في معظم الاحيان يمضي معهم من دون اعتراض. يقول احد افراد هذه الفرق وإسمه شالوم غيلادي في شهادة له وجدها بيرغمان في ارشيف “الهاغاناه”: “كان الهدف يقتل فوراً وفي احيان اخرى يصار الى سوقه الى مناطق نائية حيث تتم تصفيته”.

إبادة “طائفة المعبد”

ويورد بيرغمان بعض نماذج الاغتيال والقتل المتعمد التي نفذها عملاء “غمول” والتي تقشعر لها الابدان وبعضها يتضمن اغتصاب ضابطة نازية قبل اعدامها. ويقول ان هذه العمليات استمرت قرابة ثلاثة اشهر قتل خلالها عملاء “غمول” ما بين مئة الى مئتي شخص، ويقول مؤرخون لعمل هذه الوحدة السرية انه بعد متابعة دقيقة للذين قتلوا تبين ان ابرياء إستهدفوا، اما بسبب اخطاء في الهوية او بسبب استغلال البعض هذه الوحدة لتنفيذ تصفيات تخدم مصالح طرف ما ضد طرف اخر. وقد تم وقف نشاط “غمول عندما اكتشف الانكليز ما يحصل من جراء الشكاوى العديدة التي تلقوها عن اختفاء افراد من عائلات المانية، لكن الانكليز لم يحققوا في اي من هذه العمليات بل اكتفوا بنقل “اللواء اليهودي” بعيدا عن المانيا الى كل من بلجيكا وهولندا. كما اصدرت قيادة “الهاغاناه” امرا بوقف عمليات الانتقام.

يقول بيرغمان إن عمليات القتل التي كان ينفذها عناصر “غمول” انتقلت من اوروبا الى داخل فلسطين حيث مكان وجود العديد من ابناء طائفة “المعبد” الالمانية. هؤلاء الألمان كانت السلطات البريطانية قد ابعدتهم من فلسطين مع بداية الحرب العالمية بسبب تعاطفهم مع النازية، وقد انضم الكثير منهم للجهود النازية في الحرب وشاركوا في تصفية اليهود، ولكن مع انتهاء الحرب، عاد العديد منهم الى فلسطين. وكان زعيم هذه الطائفة الالمانية في فلسطين صناعي غني يدعى غوتهيلف فاغنز شارك في اعمال الجيش الالماني و”الغستابو” خلال الحرب.

في 22 آذار/مارس 1946، اغتيل غوتهليف فاغنر في مدينة تل ابيب على ايدي مجموعة قتلة محترفين بأمر من القيادة العليا لـ”الهاغاناه”، واذيع الخبر في اليوم التالي عبر الاذاعة السرية لـ”الهاغاناه”، مستتبعاً بالقول “فليكن معلوماً ان لا مكان لنازي ان تطأ قدمه تراب اسرائيل”. بعدها قتلت فرق اغتيال “الهاغاناه” اثنين من ابناء طائفة “المعبد” في  منطقة الجليل واثنين اخرين في منطقة حيفا. هذه العمليات ادت الى اختفاء ابناء طائفة المعبد. وقد اصبح مقر طائفتهم في تل ابيب لاحقاً مقر قيادة الجيش الاسرائيلي واجهزة مخابراته واصبح رافائيل ايتان (كان عمره 17 سنة عندما نفذ عملية اغتيال فاغنر) احد مؤسسي وحدة الاغتيال في جهاز “الموساد”.

إخراج بريطانيا من فلسطين

يقول بيرغمان ان تصفية طائفة “المعبد” في فلسطين شكل تحولاً كبيراً، فمنذ ذلك التاريخ اعطى كل من بن غوريون و”الهاغاناه” سياسة الاغتيال وحرب العصابات أولوية على ما عداها في سياق السعي لاقامة الدولة اليهودية. وفي سياق ترجمة هذا التحول التاريخي، يقول بيرغمان، أنشأت وحدات “الهاغاناه” كتيبة خاصة لشن عمليات “ارهاب شخصي”، وهو تعبير استخدم في ذلك الوقت لوصف عمليات القتل المتعمد لضباط ومسؤولين انكليز في مكتب التحقيقات الجنائية الذي كان يطارد المنظمات الصهيونية المتطرفة وتفجير مراكز الاستخبارات البريطانية والمحاكم البريطانية التي تصدر احكاماً ضد يهود متطرفين.

وقد تنبأ بن غوريون حينها، بحسب بيرغمان، بان الدولة اليهودية الناشئة ستكون عاجلاً أم آجلاً امام مواجهة حربية مع العرب في فلسطين ومع احتمالات مواجهة مع جيوش عربية في الدول المجاورة. لذلك، بدأت قيادة “الهاغاناه” التحضير بشكل سري لحرب واسعة النطاق، وبينها إطلاق حملة إغتيالات ضد شخصيات قيادية فلسطينية، وهذه العملية اسميت “زرزير” اي الزرزور (احد انواع الطيور).

“لقد قتلونا”

وفيما كانت اوامر “الهاغاناه” قيد التحضير، باشرت مجموعات صهيونية متطرفة بتنفيذ عمليات الاغتيال والقتل المتعمد في مسعى لاخراج القوات البريطانية من فلسطين. ومن ابرز قيادات هذه المجموعات اسحاق شامير الذي كان يقود منظمة “ليهي”، وقد اصدر الاوامر ليس فقط بقتل مسؤولين من الانتداب البريطاني في فلسطين من ضمنهم رئيس الشرطة في القدس مايكل جوزيف ماكونيل والمندوب السامي البريطاني هارولد ماك مايكل بل ايضا مسؤولين بريطانيين في دول اخرى كان يعتبر انهم يشكلون تهديدا لاهدافه السياسية، وبينهم والتر ادوار غينيس الذي كان يعرف باسم لورد موين والذي كان يشغل منصب وزير الدولة البريطاني المقيم في القاهرة التي كانت حينها تحت الحكم البريطاني. وقد اصدر شامير الامر بقتل لورد موين وارسل اثنين من اعضاء منظمته، الياهو حكيم والياهو بيتزوري، الى القاهرة حيث انتظرا امام منزل الهدف وعند خروجه من المنزل اطلقا عليه وعلى سائقه النار فامسك موين بحنجرته المصابة وصرخ “لقد قتلونا” قبل ان يسقط في مقعده مضرجا بدمائه، وكانت خطة شامير ان يغادر القتلة منطقة العملية بسيارة ولكنهما غادرا بدراجة هوائية ما أتاح للشرطة القبض عليهما حيث حوكما واعدما بعد ستة اشهر.

ان نتائج عملية الاغتيال هذه، يقول بيرغمان، لم تأت كما توقع لها شامير، اذ ان رئيس الوزراء البريطاني حينها وينستون تشرشل، وهو من ابرز المتحمسين لدعم قيام الدولة اليهودية، كان متوجهاً الى قمة يالطا حينها مع الرئيسين الاميركي فرانكلين روزفلت والروسي جوزيف ستالين حاملا معه طلبا بدعم قيام الدولة اليهودية، لكن عملية الاغتيال جعلته يعلن أنه سيعيد النظر بموقفه.

فندق الملك داود

بعد عملية “ليهي” في القاهرة، امر مناحيم بيغن الذي كان يقود منظمة “ايرغون” بتفجير فندق الملك داود في القدس في 22 تموز/يوليو 1946 بحوالي 350 كيلوغراما من المتفجرات، وكان الفندق مقرا لادارة الانتداب والمخابرات البريطانية في فلسطين وقد قتل في التفجير 91 شخصاً واصيب 45 آخرين، بينهم عدد من اليهود. اثارت العملية نقاشات في اوساط القيادات اليهودية في فلسطين، إذ اعلن بن غوريون ان “ايرغون” باتت عدواً للشعب اليهودي. ومع ذلك، واصل المتطرفون عملياتهم ضد الانكليز، فبعد ثلاثة اشهر من تفجير الفندق، قامت خلية سرية تابعة لمنظمة “ليهي” بتفجير السفارة البريطانية في روما من دون علم وموافقة بن غوريون، ولكن نظراً لان العملية تمت ليلاً، سقط فقط ثلاثة جرحى، احدهم حارس السفارة واثنان من الايطاليين المارة. بعد العملية، ارسلت منظمة “ليهي” رسائل بريدية مفخخة لكل عضو في الحكومة البريطانية في لندن، لكن اياً من هذه الرسائل لم تنفجر وانتهت العملية بفشل ذريع علما انها اوصلت لبريطانيا رسالة قوية، وقد وصفت المخابرات البريطانية، بحسب وثائق ارشيفها، الارهاب الصهيوني بانه الخطر الاكبر على الامن القومي البريطاني، وحتى انه اكثر خطرا من الاتحاد السوفياتي نفسه، وتقول هذه الوثائق ان خلايا تابعة لمنظمة “ايرغون” في لندن كانت تحضر لهجمات ضد مسؤولين بريطانيين، بينهم  وزير الخارجية ايرنست بيفن ورئيس الوزراء نفسه كليمنت اتللي. وتحصي وثائق المخابرات البريطانية 176 قتيلاً بين موظفين في ادارة الانتداب البريطاني ومدنيين انكليز في فلسطين. “اعمال القتل هذه هي التي ادت الى خروج البريطانيين من فلسطين، ولولاها لما قامت دولة اسرائيل”، على حد تعبير ديفيد شومرون.

إسرائيل ترصد الإتصالات منذ الأربعينيات

إستعرض الصحافي الإسرائيلي رونين بيرغمان في فصول سابقة من كتابه “إنهض واقتل أولاً، التاريخ السري لعمليات الإغتيال الإسرائيلية” أبرز عمليات الإغتيال التي نفذتها مجموعات صهيونية متطرفة ضد مسؤولين في إدارة الإنتداب البريطاني لفلسطين. في هذا الفصل، يعرض بيرغمان كيف أصبحت المجموعات الدموية نفسها النواة المؤسسة لقيادة ومؤسسات الكيان الصهيوني.

يبدأ رونين بيرغمان هذا الفصل من الكتاب بقرار الجمعية العامة للامم المتحدة تقسيم فلسطين الى دولتين، واحدة منهما لليهود وذلك في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947 (دخل حيز التنفيذ بعد ستة اشهر من صدوره). تزامن الاعلان مع عاملين اساسيين اديا الى قيام الكيان الصهيوني، اولهما، اكتمال البنية التحتية للحركات الصهيونية كنواة لقيام الاجهزة الامنية والعسكرية والاستخباراتية والادارية للدولة، مقابل عدم وجود اية نواة لقيام دولة فلسطين لجهة التنظيم والادارة، اذ كان الجانب الفلسطيني بعيدا كل البعد عن اية اشكال تنظيمية بالرغم من الحماسة الوطنية، ثانيها، تحالف الحركات الصهيونية مع قوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية ومشاركتها في المعارك من خلال لواء اليهود في الجيش البريطاني مقابل مراهنة الفلسطينيين على العلاقة مع ألمانيا النازية التي خسرت الحرب. في سياقه السردي، يُظهر بيرغمان الفلسطينيين بصورة المعتدي عبر عملية السرد القائمة على ان كل ما ارتكبته العصابات الصهيونية كان بمثابة ردة فعل على اعمال عدائية فلسطينية، متناسياً ان العدد الاكبر من اليهود في فلسطين هو من المهاجرين الذين اتوا واستوطنوا على اراض يملكها فلسطينيون.

“الحرب الأهلية”

يقول بيرغمان ان الرد الفلسطيني على القرار الدولي جاء بعد يوم واحد من صدوره، اذ شنّ القائد الفلسطيني حسن سلامة مع مجموعة من رفاقه هجوماً على حافلتين تقلان يهوداً قرب مستوطنة “بتاح تكفا” وسط فلسطين، فتسببوا بقتل ثمانية اشخاص وجرح آخرين، لتنطلق بعدها ما يصفها بيرغمان بـ”الحرب الاهلية” بين اليهود والفلسطينيين، فيما يصح توصيفها بأنها كانت حرباً بين اصحاب الارض ومهاجرين قادمين من مختلف اصقاع المعمورة. يقول مؤلف الكتاب ان حسن سلامة وقف بعد هذا الهجوم في الساحة الرئيسية لمدينة يافا الساحلية يخاطب جمهور الفلسطينيين قائلاً “سيكون هناك حمام دم في فلسطين”. يضيف بيرغمان “لقد وفى سلامة بوعده إذ قتل في الاسبوعيين التاليين 48 يهودياً وجرح 155 اخرين”. وكان سلامة حينها يقود قوة مؤلفة من حوالي 500 مقاتل، بحسب بيرغمان، واصبح ينظر اليه كقائد وطني بطل بلغت هجمات مجموعته قلب تل ابيب.

يقول بيرغمان انه في ذلك الوقت، كان ديفيد بن غوريون يعتبر الفلسطينيين اعداء والبريطانيين رعاة لهم حتى فترة تنفيذ القرار الدولي في ايار 1948. ويضيف ان تسليح وحدات “الهاغاناه” كان ضعيفاً حينها وفي مستودعات سرية بعيداً عن اعين سلطات الانتداب البريطاني. لكن بيرغمان يناقض نفسه عندما يقول ان تدريبات عناصر “الهاغاناه” كانت ضعيفة، ذلك انه يقول في مكان آخر ان النواة الاساسية خدمت في صفوف الجيش البريطاني في الحرب العالمية الثانية، ولكن كان العدد الاكبر من هؤلاء العناصر، من المهاجرين اليهود الذين نجوا من “الهولوكوست”، وبينهم من خدموا في صفوف الجيش الاحمر السوفياتي!

ويشرح بيرغمان ان بن غوريون لاقى قناعة إستخباراتية غربية ولا سيما امريكية مفادها ان الفارق العددي لصالح الفلسطينيين سيؤدي الى انهيار القوات اليهودية. ولكن بن غوريون بالرغم من ذلك كان واثقا من “النصر”.

“الهاغاناه” وخطة “سيترلينج”

يشرح الكاتب كيف إختارت وحدات النخبة في “الهاغاناه” اهدافاً ذات تأثير قوي على الفلسطينيين. ومن ضمن هذه الخطة، التي اطلق عليها اسم “ستيرلينج”، اختارت “الهاغاناه” 23 قائداً فلسطينياً ليكونوا هدفا لعملياتها. وينقل بيرغمان عن قائد قوات “الهاغاناه” حينها ياكوف دوري قوله في وصف الخطة انها كانت مؤلفة من ثلاث طبقات: “قتل القادة الفلسطينيين؛ او اعتقالهم؛ وضرب المراكز السياسية والاقتصادية والصناعية للفلسطينيين”. وكان على رأس قائمة الاهداف حسن سلامة نفسه الذي كان يعمل تحت قيادة مفتي القدس الحاج امين الحسيني الذي قاد الانتفاضة الفلسطينية في العام 1936.

وقد غادر سلامة والحسيني فلسطين إثر اعلان سلطات الانتداب البريطاني انهما بين اكثر الاشخاص المطلوبين. ويزعم بيرغمان ان القائدين الفلسطينيين الحسيني وسلامة وحّدا جهودهما في العام 1942 مع اجهزة الاستخبارات النازية والـ”اس. اس” لتنفيذ عملية عسكرية ضخمة تحت اسم “عملية اطلس” والتي كانت تقتضي انزال مجموعات من المظليين الالمان والفلسطينيين في تل ابيب لتسميم مصادر المياه في تل ابيب وقتل اكبر عدد ممكن من اليهود، وقد فشلت هذه الخطة فشلاً ذريعاً بعد ان كانت القوات البريطانية قد فكت شيفرة “انيجما” الالمانية، فاعتقلت القائد سلامة واربعة من رفاقه اثر هبوطهم في صحراء مدينة اريحا في 6 تشرين الاول/أكتوبر عام 1944.

إغتيال حسن سلامة أولوية

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كان القسم السياسي للوكالة اليهودية العامل في اوروبا (وهو فعلياً جهاز استخبارات) يضع نصب عينيه ملاحقة الحسيني وتتبع حركاته وقتله وقد نفذ العديد من المحاولات الفاشلة بين العامين 1945 و1948 وكان الهدف المعلن هو الانتقام منه لتحالفه مع النازيين خلال الحرب ولكن الهدف المضمر هو دفاعي بإمتياز، بحسب بيرغمان، فقد كان الحسيني، وعلى الرغم من وجوده خارج فلسطين، ناشطاً في تنظيم الهجمات ضد المستوطنين اليهود في شمال فلسطين وفي محاولات عدة لاغتيال قادة يهود ولكن نظراً لضعف استخباراته وسوء التدريبات لعناصره باءت كل هذه المحاولات بالفشل.

كانت مطاردة سلامة اول عملية لـ”الهاغاناه” يدمج فيها العامل البشري مع العامل الالكتروني وكانت “عملية واعدة”، بحسب بيرغمان، فقد تمكنت وحدة من استخبارات “الهاغاناه” المسماة حينها “شاي” بقيادة ايسير هاريل من التعليق على خطوط الهاتف الرئيسية التي توصل مدينة يافا بباقي انحاء البلاد وذلك تحت احدى المدارس الزراعية، ومن خلال رصد المكالمات بين النشطاء العرب، سمعت الوحدة حسن سلامة يقول في احدى المكالمات انه سيأتي الى يافا، فنصبت له كميناً على الطريق الذي سيسلكه حيث تم رمي جذع شجرة لاعاقة حركة سيارته. لكن العملية فشلت شأنها شأن عمليات عديدة اخرى قبل ان يقتل سلامة في مواجهة حصلت لاحقاً.

القتل بالأنابيب المعدنية

يقول بيرغمان انه من العمليات الناجحة كانت تلك التي نفذتها وحدات النخبة في “الهاغاناه” التي كانت تتبع عملياً لميليشيا “بالماخ” الجيدة التدريب والتسليح. هذه الميليشيا كانت تتميز بكتيبتين هما “باليام” (الكتيبة البحرية) و”مفرزة المستعربين” التي كان عناصرها يتنكرون بالزي العربي. وينقل الكاتب عن ابراهام دار، احد عناصر وحدة “باليام”، قوله ان اولى مهام وحدته كانت السيطرة على ميناء حيفا فور مغادرة القوات البريطانية البلاد والاستيلاء على الاسلحة والذخائر التي يخلّفها البريطانيون وراءهم ومنع الفلسطينيين من القيام بذلك. وينقل الكاتب عن إبراهام دار أيضاً قوله انه واثنان من وحدته تنكروا بزي جنود بريطانيين والتقوا بوسطاء فلسطينيين حيث زعموا انهم يودون بيع كميات من السلاح المسروق، وحددوا لهم موعداً لعملية التبادل قرب طاحونة احدى القرى الفلسطينية، حيث كمنت مجموعة اخرى من وحدته لهم وانقضت على الوفد الفلسطيني لتقتل اعضاءه بانابيب معدنية كي لا تستخدم الاسلحة النارية التي كان كان يمكن لأصواتها أن تفضحهم.

اما عن “مفرزة المستعربين”، فيقول بيرغمان ان “الهاغاناه” انشأتها عندما تيقنت انها بحاجة لخلايا من المقاتلين المدربين جيداً للعمل خلف خطوط العدو، وكانت عملياتها تتضمن جمع المعلومات وتنفيذ عمليات تخريب للمنشآت وعمليات اغتيال. وكان معظم عناصر هذه الوحدة من اليهود المهاجرين من دول عربية وتضمنت تدريباتهم تكتيك الحرب الانصارية والتفجيرات بالاضافة الى التعمق في دراسة الاسلام والتقاليد العربية.

مفرزة المستعربين

ويروي بيرغمان كيف اثمر التعاون بين “مفرزة المستعربين” و”باليام” العديد من العمليات الناجحة، ومنها محاولة اغتيال الشيخ نمر الخطيب رئيس المنظمة الاسلامية الفلسطينية الذي كان له تأثيره الكبير في الشارع الفلسطيني، وفي شباط/فبراير من العام 1948، كمنت قوة مشتركة من الوحدتين للخطيب، وتمكنت من اصابته بجروح خطرة ادت الى نقله خارج فلسطين حيث لم يلعب اي دور بعدها. ويروي بيرغمان نقلا عن إبراهام دار كيف تمكنت قوة مشتركة من الوحدتين من تفجير سيارة اسعاف كان الفلسطينيون، بحسب زعمه، قد فخّخوها بالمتفجرات بهدف تفجيرها في الحي اليهودي المكتظ في حيفا.

يقول بيرغمان انه قبل اعلان بن غوريون قيام “دولة اسرائيل” في 14 ايار/مايو عام 1948، كان الأخير قد عمل بصورة حثيثة على نسج شبكة علاقات واسعة مع مصادر في الدول العربية، وقبل الاعلان بثلاثة أيام، ابلغه رئيس القسم السياسي للوكالة اليهودية (قسم المخابرات في الوكالة) ان الدول العربية قرّرت شن هجوم واسع على المستوطنات اليهودية تزامناً مع الاعلان. وثبُت لاحقاً ان هذه المعلومة كانت دقيقة، اذ بعد ساعات من اعلان الدولة، وفي منتصف الليل، شنّت سبعة جيوش عربية هجوماً واسع النطاق على المستوطنات حققت خلاله نتائج مهمة في البداية وتسببت بالكثير من الخسائر البشرية، ولكن المستوطنين اليهود تمكنوا من استيعاب الصدمة واعادة تجميع انفسهم وخطوط دفاعهم وإنتقلوا الى الهجوم. وبعد قرابة الشهر من المعارك وبوساطة من الامم المتحدة عبر مبعوثها الخاص الكونت فولك برنادوت، توصل الطرفان الى وقف لاطلاق النار.

إنشاء الوكالات الثلاث

بعد استئناف القتال، كانت الصورة قد انقلبت رأساً على عقب لمصلحة المستوطنين بفضل استخباراتهم القوية وادارتهم المنظمة للقتال. وبذلك، تمكن المستوطنون ليس فقط من صد الهجمات العربية بل التوسع في اراض فلسطينية لم يشملها القرار الدولي بالتقسيم.

ويستطرد بيرغمان هنا بالقول ان بن غوريون لم تغره الانتصارات المحققة، فأخذ يعمل على بناء أجهزة تجسس محترفة تتناسب مع “قيام الدولة الشرعية”، ولم يواجه بن غوريون كثير عناء في إقناع قادته بذلك خلال الاجتماع الذي عقده في 7 حزيران/يونيو (أي بعد ثلاثة أسابيع من إعلان الدولة). فتقرر خلاله انشاء ثلاث وكالات، الاولى، هي قسم الاستخبارات التابع للقيادة العامة لقوات الدفاع الاسرائيلية والتي عرفت اختصارا باسم “امان”؛ الثانية، هي وكالة الامن العام وعرفت اختصارا باسم “شين بيت” وكانت مهماتها محصورة بالامن الداخلي وهي على شاكلة “اف بي آي” الامريكية و”ام اي فايف” البريطانية (تم تغيير اسم هذه الوكالة لاحقا ليصبح وكالة الامن الاسرائيلي او “الشاباك”)؛ الثالثة، هي القسم السياسي التابع للوكالة اليهودية والمتخصص باعمال الاستخبارات الخارجية وجمع المعلومات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق