أخبار العالم

ترغب “إسرائيل” بالسيطرة على نسبة من مياه النيل خلفيات الدور الإسرائيلي في “سد النهضة”

ترغب “إسرائيل” بالسيطرة على نسبة من مياه النيل خلفيات الدور الإسرائيلي في “سد النهضة”،وصلت المفاوضات المصرية – الأثيوبية حول “سد النهضة” إلى حائطٍ مسدود؛ أثيوبيا تصر على أنها ستبدأ بعملية ملء السد شهر تموز/يوليو المقبل حتى من دون موافقة مصر، والأخيرة رفعت الأمر إلى مجلس الأمن.

تطورات أخذت مسارات متعددة خلال السنوات المنصرمة، منها ما هو سياسي اقتصادي ومنها ما هو عسكري أمني، واللافت أن “إسرائيل” كانت الحاضر الأبرز فيها وبشكلٍ مباشر. كيف لا، ونهر النيل، أحد أضلع ما يسمونه “إسرائيل الكبرى” هو الحدث.

تاريخ الأطماع الإسرائيلية في مياه النيل

تعود الأطماع الإسرائيلية في مياه النيل إلى ما قبل تأسيس الكيان الإسرائيلي، وتحديداً إلى العام 1903 عندما قدّم زعيم الحركة الصهيونية تيودور هرتزل، مشروعاً يسعى من خلاله إلى بناء مستوطنات في شبه جزيرة سيناء تنضم في وقتٍ لاحق إلى المستوطنات في فلسطين المحتلة، حيث سعت المنظمة الصهيونية التي يمثلها هرتزل إلى توطين اليهود في العريش.

ولمواجهة مشكلة ندرة المياه في تلك المنطقة، اقترح هرتزل على لانسدون، وزير خارجية بريطانيا، مد أنبوب على عمق كبير تحت قناة السويس لضخ مياه النيل إلى شبه جزيرة سيناء. لكن بريطانيا رفضت هذا الطلب، بسبب تأثيره السلبي على مشروعات الزراعة المصرية بالوادي، خاصة محصول القطن الحيوي للصناعة الإنجليزية.

أعادت “إسرائيل” طرح هذه الرغبة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، استناداً إلى مقالات ودراسات تناولت المشاريع التي يمكن من خلالها نقل مياه النيل إلى المستوطنات الإسرائيلية. كان أبرز تلك الدراسات ما عرف بـ”مشروع اليشع كالي” حيث قام المهندس الإسرائيلي اليشع كالي، في عام 1974 بطرح مشروعٍ تضمن نقل جزءٍ من مياه النيل يقدّر بـ1% سنوياً لتزويد المستوطنات الإسرائيلية في النقب وقطاع غزة والضفة الغربية، بواسطة أنابيب تمر تحت قناة السويس بجانب منطقة الإسماعيلية المصرية، يصل طولها إلى 200 كلم. 

وفي عام 1977 قام الخبير الإسرائيلي ارلوزوروف، بطرح مشروعٍ تضمن شق 6 قنوات تحت قناة السويس تعمل على دفع المياه العذبة إلى نقطة سحبٍ رئيسية، ليتم بعد ذلك ضخ المياه إلى ارتفاعٍ يبلغ عشرات الأمتار لتدفع بقوة الثقل نحو ساحل سيناء وعبر أقنية فرعية إلى صحراء النقب. 

لم تكن مشاريع نقل مياه النيل إلى المستوطنات الإسرائيلية داخل فلسطين المحتلة حكراً على المهندسين والخبراء في كيان الاحتلال، بل إن الرئيس المصري أنور السادات، وفي تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1977 خلال زيارته إلى القدس المحتلة طرح مشروع “ترعة السلام”، والذي يهدف لنقل مياه النيل إلى القدس المحتلة، لتصبح “آبار زمزم الجديدة”، إذ أن الرئيس المصري غلّف مشروعه التطبيعي هذا بالقول “باسم مصر وأزهرها العظيم وباسم دفاعها عن السلام تصبح مياه النيل هي آبار زمزم لكل المؤمنين بالأديان السماوية الثلاثة”، متجاوزاً بذلك الاتفاقيات الموقعة عام 1929 وعام 1959 بين مصر ودول حوض وادي النيل والذي يُمنع بموجبها بيع مياه النيل لطرفٍ من خارج دول الحوض. 

الأمن المائي والقرار الجيوسياسي

المقدمة السابقة مهمة لفهم خلفيات التموضع الإسرائيلي في أزمة “سد النهضة” الدائرة بين مصر وأثيوبيا والسودان، وذلك انطلاقاً من الرغبة الإسرائيلية في السطو على نسبة من مياه النيل، هذا من ناحية الأمن المائي. أمّا في البعد الجيوسياسي، فإن “إسرائيل” تطمح إلى توسيع نفوذها والهيمنة على مصادر الطاقة التي يعد نهر النيل أبرزها، ما سيعزز موقفها السياسي في الشرق الأوسط والقارة الأفريقية.

فيما يخص الأمن المائي، فإن مسألة تأمين المياه للمستوطنات الإسرائيلية كانت حاجة أساسية بالنسبة لـ”إسرائيل”. وقد أظهرت دراسات عديدة خلال العقود الأخيرة، أن “إسرائيل” تمر بأزمة يعتبرها الخبراء الإسرائيليون خطرة جداً بما يخص الثروة المائية، تهدد اقتصاد كيان الاحتلال بصورة لم يسبق لها مثيل.

وذكر الإعلام الإسرائيلي في السنوات الأخيرة أن الكثير من بحيرات فلسطين المحتلة وأحواضها النهرية والمياه الجوفية وصلت إلى أدنى المستويات التي لم يسبق لها مثيل منذ 100 عام، حيث اقتربت بحيرة طبريا بشكل خطير من “الخط الأسود”، وهو المستوى الذي يقع تحت أنابيب السحب من مضخات المياه التي ترسل مياه البحيرة إلى البلدات المجاورة.

وفي الدراسات الإسرائيلية يظهر أن تحسين مستوى العيش وبناء المستوطنات يحتّم تأمين زيادة في المياه بمقدار 600 مليون متر مكعب كل عام. فإذا تعثَّر الحصول على ذلك فيكون من الضروري تأمين ثلثه على حساب المشاريع الزراعية، ما يؤدي إلى أزمة اقتصادية واجتماعية بغض النظر عن الأضرار التي تحصل بفعل برنامج “التوزيع السكاني”.

كل تلك العوامل، تدفع السلطات الإسرائيلية إلى التواجد بشكل مباشر في مسألة “سد النهضة” المرتبطة بنهر النيل، وذلك من أجل فرض وجودها السياسي والأمني الذي سيخولها في مرحلةٍ لاحقة إعادة إحياء المشاريع الهادفة لإيصال مياه النهر إلى المستوطنات في فلسطين المحتلة، نظراً لخطورة ما تعانيه حالياً فيما يخص “أمنها المائي”، في ظلّ رغبتها المتزايدة في التوسع واستقدام المزيد من المستوطنين.

ويذكر في هذا السياق، أن نقل مياه النيل إلى فلسطين المحتلة، كان من أهم المشاريع المطروحة في المباحثات المتعددة الأطراف، التي عقدت في فيينا عام 1992، حيث تمسك المفاوضون الإسرائيليون بعدم التنازل عن ذلك، تحت ذريعة حاجة “إسرائيل” إلى المياه في المستقبل ومن ضمنها مياه النيل. أحد المفاوضين الإسرائيلين وهو دان سالازفسكي، قالها صراحة “إذا كان أحد يقصد السلام، فينبغي ألا يجادل بشأن المياه”. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق