أخبار العالم

سفير مصر السابق لدي أنجولا: أمريكا واسرائيل تعدان جبهة للإنقضاض على إيران

بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران وتولي الإمام الخوميني قيادتها تحولت إيران ذلك الحليف القوي للولايات المتحدة في الخليج العربي بل والشرق الأوسط في عهد الشاه لتكون عدوها الأول , وتفصح مختلف التصريحات منذ وقت طويل وحتي يومنا هذا وعلي مختلف المستويات الرسمية بل والبحثية الأمريكية عن هذه الروح العدائية سواء من الجمهوريين أو الديموقراطيين وهي عداوة بلا شك كان لابد وأن تكون مُتبادلة , ومن بين هذه التصريحات مثلاً فقرتين بنص خطاب Edmund Muskie وزير الخارجية في عهد الرئيس Jimmy Carter الذي ألقاه في يونيو 1980 في نادي الصحافة بواشنطن وتترجمان وبدقة السبب الرئيسي للعداء الأمريكي لإيران – مع الوضع في الإعتبار القنوات التحتية الناقلة لتسويات وسطية Compromises في قضايا لواشنطن وطهران إهتمام إستراتيجي بها – , إلا أن هذا لم ولن يمنعهما من الإستمرار في العداوة فقد قال Muskie: ” إن السلام بالنسبة لإسرائيل حلم عزيز ومصلحة حيوية , وعبر ثلاثة عقود إلتزمت الولايات المتحدة بأمن إسرائيل إلتزاماً لا يتزعزع , وقد لعبنا دوراً نفخر به في خلق (الأصح إختلاق) دولة إسرائيل , ودعمنا ذلك الإلتزام بإستثمارات سخية في أمن إسرائيل وإزدهارها , فالرئيس Carter وحده طلب من الكونجرس مساعدة لإسرائيل تزيد عن 10 بليون دولار , وهو اليوم يقف حيث وقف قبله ستة من الرؤساء الأمريكيين … علي صخرة دعم إسرائيل قوية آمنة ….” وفي الفقرة الأخري قال : “وبوجود الإضطراب في إيران والعدوان السوفيتي في أفغانستان , أصبحت الإهتمامات الإستراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها في تلك المنطقة مُهددة بصورة أكبر مما كانت عليه في أي وقت مضي , وإذا قُدر لقوي مُعادية أن تُحقق سيطرة علي منطقة الخليج الفارسي , أو أصبحت تلك المنطقة في حالة فوضي فإن الإقتصاد العالمي كله سيتقوض , كما أن التوازن الإستراتيجي العالمي سيتغير تغيراً خطيراً , ودعوني أؤكد علي أنه في هذا الوضع الإستراتيجي الجديد , لن تتعرض مصالح الولايات المُتحدة الإستراتيجية ومصالح حلفائها الأوروبيين واليابان وحدها للخطر بل كذلك أمن ورفاهية إسرائيل والدول العربية في المُستقبل….” , كذلك وفي خطاب للرئيس Carter ألقاه في إحتفال مجلس الشؤن العالمية في مدينة فيلادلفيا – بنسلفانيا في 8 مايو 1980قال عن أمن إسرائيل : ثالثاً – سنستمر في العمل من أجل السلام في الشرق الأوسط , ومثل هذا السلام ضروري لجميع الأطراف المعنية . إن إسرائيل تستحقه وتحتاجه من أجل بقائها لمدي طويل … ” .

يعني ما تقدم وبصفة مباشرة حقيقتين ترتكز عليهما السياسة الأمريكية إزاء إيران أولهما أن إيران ستظل تُعد تهديداً رئيسياً لأمن إسرائيل لأنها مازالت واقعة في حيز الإستثناء إذ لم تصل وربما لن تصل إليها أمواج السلام والتطبيع الحالية بين إسرائيل ودول الشرق الأوسط , ثانياً أن أمن إسرائيل يعتمد علي إستمرارها قوية آمنة , والبرنامج النووي الإيراني إن كان سلمياً و / أو عسكرياً ربما قوض التفوق الصهيوني وأخل بتوازن القوي في الشرق الأوسط , ولهذا كان توقيع الولايات المتحدة في عهد الرئيس الديموقراطي Obama للإتفاق النووي مع إيران منتصف عام 2015 من أجل أمن الكيان الصهيوني وكان توقيع الرئيس الأمريكي Trump علي قرار الإنسحاب من هذا الاتفاق وإعلانه علي التوازي إعادة العمل بالعقوبات المُرتبطة بالخروج من هذا الإتفاق بقرار أمريكي أُتخذ أيضاً من أجل أمن كيان الصهاينة ولإخضاع الإرادة الإيرانية لمتطلبات الأمن القومي الأمريكي الذي يعد أمن الكيان الصهيوني مُرنبطاً عضوياً ودينياً به , فلا يصدقن أحد أن الأمن القومي الأمريكي خال من المكون الديني أو علي الأقل الروح الدينية , وهاتين الحقيقتين المُشار إليهما فيهما التفسير الكافي للموقفين الإيراني والأمريكي والذي يمكن إختزاله في كلمتين : “أمن إسرائيل” , فما يجري حالياً من تحركات أمريكية وصهيونية في المنطقة سيلي بيانها لا تخرج عن كونها إعداد جبهة مواجهة مباشرة ضد إيران لنفس السبب الذي دمرت به العراق: البرنامج النووي . 

هل إقتربت مرحلة المواجهة العسكرية الأمريكية / الصهيونية لإيران ؟

التحركات الأمريكية / الصهيونية وكذلك الإيرانية تشير إلي أن جبهة الإنقضاض علي إيران التي يجري إعدادها سبقتها مراحل مُتتابعة وربما مُتداخلة , وهي في تقديري : (1) مرحلة الإحتواء والتي بدأت في مُستهل عهد الرئيس Clinton حين أبدي الكيان الصهيوني قلقه من تجديد إيران لإهتمامها بتطوير برنامج نووي مُتقدم , ونزولاً علي توسلات الكيان إعتمدت الإدارة الأمريكية مع إيران سياسة الإحتواء المزدوج التي إقترحها الكيان الصهيوني , وأقتضت هذه السياسة تمركز قوات أمريكية في الكويت والسعودية لإحتواء إيران والعراق معاً , وفي منتصف تسعينات القرن الماضي بدأت الولايات المتحدة في التخلي عن هذه السياسة التي جلبت لها عداء الدولتين , إلي أن تم التخلي عنها نهائياً في بداية عهد الرئيس Bush الذي تبني سياسة تضمنتها المرحلة التالية وهي (2) مرحلة الشراكة مع الولايات المتحدة في التمكين بالعراق وأفغانستان , موضوعها إسقاط الرئيس صدام حسين ونظامه وإسقاط طالبان تأسيساً علي قاعدة الكل رابح Win – Win وكنت نهاية هذه المرحلة في اليمن فبإبتلاعها للعراق إكتسبت إيران شهية شرهة لإبتلاع اليمن ومحاولة إبتلاع سوريا خروجاً علي تفاهمات الشراكة التي إقتصرت – في تقديري – علي العراق , لذا ولأسباب أخري كانت ضربة قاسمي سليماني النهاية المُؤجلة لهذه المرحلة ويُلاحظ أن إغتياله تم في العراق وليس في سوريا ولهذا أكثر من مغزي (3) مرحلة الإضعاف والإنهاك وتداخلت لوقت ليس طويلاً مع مرحلة الشراكة والتمكين مما أفقدهما الثقة المُتبادلة والحركية , وفد بدأت تلك المرحلة بإنسحاب الولايات المُتحدة من إتفاقها النووي مع إيران وإستعادة نظام العقوبات الأمريكية علي إيران ذات التاريخ الطويل بدءاً من قانون العقوبات الإقتصاديةالأمريكي علي إيران وليبيا ILSA عام 1996الذي قدمه في سبتمبر 1995النائب Alfonse D’Amatoوالذي عُدل عام 2006بعد تسوية أزمة لوكيربي مع ليبيا ليصبح محصوراً في إيران ISA فقط ثم تعززبالعقوبات التي تضمنها الإتفاق النووي المُلغي , ومن ثم إنتهت هذه المرحلة لتبدأ المرحلة (4) وهي مرحلة الإعداد للمواجهة وتلك هي المرحلة ما قبل الأخيرة التي قد تنتقل لمرحلة المواجهة العسكرية أو قد ترتد الإدارة الأمريكية أيا كانت فتكتفي بالعقوبات مع علمها بإمكانيات حلفاء إيران وعدائهم للولايات المتحدة بإعتباره يظل مورداً لا ينضب يرفع قدرات إيران علي المقاومة حتي تعود الولايات المتحدة لصياغة إتفاق نووي جديد بصياغة جديدة تحفظ مضمون الإتفاق الذي ألغاه الرئيس Trump , لكن من الواضح من وجهة نظر أمريكية أنها تريد إتفاقاً جديداً بمضمون جديد وعلي قواعد مختلفة وحوافز أكثر قوة لإغراء إيران علي التماهي مع بعض الرغبات الأمريكية , لكن إستمرار الضغوط الصهيونية علي أي إدارة أمريكية بسبب رعب الكيان الصهيوني من تداعيات حيازة إيران برنامج نووي عسكري سوف لا يوفر مبرراً لتوقع إرتداد الولايات المتحدة للخلف ولا التوقف في المكان حيث هي الآن لصياغة إتفاق نووي جديد بأبجديات أوروبية /أمريكية , بل قد تمضي قُدما نحو مواجهة عسكرية يظل توقيتها مُعلقاً بمدي تقدم البرنامج النووي الإيراني العسكري ودرجةإضطراد رعب الصهاينة . 

تقدير لخطوات مرحلة الإعداد للإنقضاض علي إيران :

1- في سبيل تهيئة الحكام العرب علي الإستجابة لنداءات الكيان الصهيوني المُتكررة للتطبيع والتي كانت تتم فيما سبق عبر القنوات التحتية المفتوحة منذ بداية الربيع العربي بتونس في ديسمبر 2010 وعبر الدبلوماسية الأمريكية ذات الولائين , حاول الكيان الصهيوني حصد علاقات تطبيع مع الدول الأفريقية (أكثر من 50 دولة) للإستحواذ علي كتلة تصويتية يستخدمها في المحافل الدولة لدي التصويت علي قضايا ذات صلة بوضعية “الكيان الصهيوني كدولة” وعلي قضايا أخري تتعلق بأمن الكيان الصهيوني منها قرار يتعلق ببرنامج إيران النووي مما قد يستلزم إستصدار قرار من مجلس الأمن , هذا في حالة لم يلجأ الصهاينة لضربة جوية خاطفة للمنشأت النووية كما فعلت في تدمير مفاعل أوزيراك العراق في 7 يونيو 1981 , وقد سعي الكيان الصهيوني في إطار إستراتيجية جديدة للعلاقات مع أفريقيا إلي عقد مؤتمر قمة هو الأول من نوعه للكيان لتحقيق إختراق ديبلوماسي في أفريقيا وكان عنوانه : ” قمة أفريقيا – إسرائيل للتنمية والأمن في الفترة من 16 إلي 20 أكتوبر2017 في توجو بمشاركة 12 رئيس أفريقي أكدوا بالفعل مشاركتهم في هذه القمة التي أُلغيت بسبب الأوضاع الداخلية الحرجة بتوجو التي كانت تواجه ومازالت نظام الرئيس التوجولي Faure Gnassingbé , هكذا روج الكيان الصهيوني تبريراً لفشله , لكن في تقديري أن السبب المنطقي وراء الإلغاء هو الخشية من رد الفعل العنيف من جهة الجماعات الإسلامية داخل توجو وبوركينافاسو المجاورة التي نمت منذ تنكبوا النهج الجهادي لأسامة بن لادن ضد الحملات الصليبية المختلفة التي تستهدف الإسلام قبل المُسلمين ومن أدلتها كثافة الوجود العسكري الأمريكي (AFRICOM ) والفرنسي والأوروبي في أفريقيا خاصة في منطقتي الساحل والصحراء حيث المكون الديموجرافي المُسلم عال , وذلك بذرائع مختلفة , وهذه الجماعات المُسلحة قامت بالفعل لاحقاً بعمليات نوعية مُضادة للأمريكيين في النيجر وللفرنسيين في مالي والنيجر وبوركينافاسو بسبب وجودهم العسكري بالمنطقة وخاصة عملية Serval الوحشية في شمال مالي , وكان الهدف الأولي للصهاينة من هذه القمة تكوين كتلة تصويتية أفريقية مواتية لهم في الأمم المتحدة ووكالاتها فيما يتعلق بالقضايا التي تتضمن تهديداً للكيان الصهيوني ومنها أزمة البرنامج النووي – كما أشرت – وكذلك في الإتحاد الأفريقي لطرد فلسطين لاحقاً من عضويتها كمراقب ليحل الكيان الصهيوني فيما لو تحققت صفقة القرن التي لن تكون هناك ثمة دولة فلسطينية إن تحققت , مما يؤدي مع خطوات أخري إلي إسقاط مبرر خشية حكام عرب من الصورة الثابتة والسمعة السياسية العربية بأفريقيا والعالم الثالث بشأن الصراع العربي/ الصهيوني أي أن قمة ” إسرائيل – أفريقيا ” كانت خطوة مُرتبطة بما أُتخذ لاحقاً من قرارات بشأن القضية الفلسطينية خاصة ما تعلق بوضعية القدس وإعتبارها عاصمة لإسرائيل فإن كانت هذه القمة قد نجحت لأستطاع الصهاينة إقناع المزيد من الدول الأفريقية بهذه القرارات الخارجة عن الشرعية الدولية , وبالتالي فمازالت كثير من الدول الأفريقية غير مُعترفة هذه القرارات علي الصعيد الرسمي علي الأقل , ومازال الموقف الإيجابي لكثير من الدول الأفريقية تجاه القضية الفلسطينية يمثل إحراجا لبعض القادة العرب فيما يتعلق بالمضي نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني , وذلك علي فرض أنه مازال لديهم رصيد من مشاعر الخجل , وكان الكيان الصهيوني سيستخدم عقد هذه القمة في الدعاية المُضللة التي خلاصتها : (1) أن العالم (ومنه أفريقيا) أصبح لا يعترف بوجود “قضية فلسطينية” , (2) أن الدول الأفريقية تؤيد حق “إسرائيل” في الوجود آمنة وأن إيران تعيد ما كان العرب والفلسطينيين يرددونه من حتمية تدمير “إسرائيل” تماماً كما كانت الدعاية الصهيونية في خمسينات وستينات القرن الماضي تستدر عطف العالم بهذه المقولة التي تفتقد إلي الحقيقة فالحقيقة أن الصهاينة دمروا شعباً وأحالوه إلي لاجئين ومن ثم يجب الرد بمنطق العين بالعين , لكنها الدعاية الصهيونية التي روجت بين الأفارقة مزاعمها عن حق إقامة الدولة مُستغلة إصدار الفاتيكان وثيقة تبرئة اليهود من دم المسيح في مؤتمر “الفاتيكان” الثاني في روما عام 1963 وهي المزاعم التي أنطلت علي دول أفريقية كثيرة للكنيسة فيها دور مؤثر في المجال السياسي , فقد تلقفت الكنائس الأفريقية وثيقة التبرئة لتشق للكيان الصهيوني قناة للعلاقات الثنائية في مختلف الدول الأفريقية الكاثولوكية والبروتستانية علي السواء , بالرغم أن للكيان الصهيوني دور مازال يمارسه في إستغلال إن لم يكن إختلاق النزاعات والفتن الداخلية وبين الدول الأفريقية وبعضها البعض فللكيان الصهيوني مركز مُتقدم في تجارة السلاح علي مستوي العالم ولا تخلو منطقة بها صراع وعليها حظر علي توريد السلاح لأطراف النزاع إلا وتجد السلاح الصهيوني الصنع في أيدي الطرفين . 

2- بدء حملة التطبيع بين الكيان الصهيوني وبعض الدول العربية خاصة الخليجية بمعونة سياسية وديبلوماسية أمريكية بعقد إتفاقيات سلام بدأت بتطبيع العلاقات بين الصهاينة وكل من الإمارات والبحرين وجاري البحث عن إخراج لها مع السودان وموريتانيا ودول أخري , فيما أعلنت الجزائر – التي مازالت ثورتها الشعبية ملتهبة تحت الرماد – علي لسان رئيسها أنها لن تُشارك في فيلم التطبيع المُفتقد إلي الحرفية الفنية , إذ تقوم دولة كالإمارات كانت في عداد الـدول الهامشية في الماضي القريب قبل إسقاط نظام صدام حسين في العراق بدور البطولة فيه وهو الفيلم الذي يتمني المقاول الأمريكي علي الجزائر العظيمة أن تشارك فيه , لكن الرئيس الجزائري رفض بقوة لا تقل عن وضوحه الإستجابة للمسعي الأمريكي/الصهيوني لتطبيع علاقات بلاده مع الكيان الصهيوني , ومع ذلك لا يُعرف بالضبط هوي العسكريين الجزائريين ؟ , لكن في كل الأحوال – وحتي الآن – فقد أضاف الرفض الجزائري تأكيداً لوضعية من هرولوا للتطبيع دون ثمن أو أتعاب وهي وضعية من يؤدي دوراً مُساعدا , فالكبار لا يُشاركون في فيلم واقعي موضوعه الخيانه … هكذا هو المنطق .

يُعتبر توقيع الإمارات إتفاق سلام أو تطبيع مع الكيان الصهيوني في واشنطن في 13 أغسطس 2020، ثم توقيع البحرين مع الكيان الصهيوني إتفاقاً للسلام في 11 سبتمبر 2020 ، من أخطر خطوات مرحلة إعداد جبهة الإنقضاض علي إيران فالإمارات والبحرين من النقاط الهامة للإنتشار والتمركز العسكري الأمريكي وكلاهما واقع داخل ولاية ومهام القيادة العسكرية الامريكية الوسطي USCENTCOMالمسئولة أيضاً عن تغطية إيران والإحاطة بالتطورات العسكرية بها , وهو تطور تعي القيادات الإيرانية خطره وعلاقته بالمواجهة المُحتملة بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني بسبب برنامج إيران النووي (العسكري) , ولذلك كانت هناك تصريحات إيرانية واضحة في ربط هاتين الإتفاقيتين بإتفاقيتي السلام المُشار إليهما , فمثلاً نقلت وكالة أنباء “فارس” الإيرانية في 16 أغسطس 2020 ما قاله رئيس هيئة أركان الجيش الإيراني محمد باقري أمام اجتماع مع قادة القوات المسلحة ومسؤولي الإذاعة الوطنية بأن ” الاتفاقية بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل لتطبيع العلاقات بينهما “كارثة كبرى” ، ومن غير المقبول لدولة عربية مسلمة كالإمارات أن تقيم علاقات سياسية واقتصادية مع نظام اعتدى على أولى القبلتين وشرد وقتل وسجن أبناء الشعب الفلسطيني , وأنه إذا حصل شيء في منطقة الخليج يعرض الأمن القومي للجمهورية الإسلامية الإيرانية مهما كان ضئيلا ، سنحمل الإمارات المسؤولية ولن نتسامح مع ذلك , وأن قرار الإمارات سيغير موقف الجمهورية الإسلامية وقواتها المسلحة تجاه هذا البلد ” , أما وزارة الخارجية الإيرانية فقد شجبت في 12 سبتمبر 2020 إتفاق التطبيع الذي أعلنت عنه البحرين وإسرائيل برعاية أميركية , معتبرة انه يجعل من حكام المملكة الخليجية شركاء في جرائم النظام الصهيوني وأن حكام البحرين سيصبحون من الآن وصاعدا شركاء في جرائم النظام الصهيوني باعتباره التهديد الدائم لأمن المنطقة وكل العالم الإسلامي والأساس لعقود من العنف والذبح والحرب والإرهاب وسفك الدماء في فلسطين المظلومة والمنطقة ” , وبدوره قال اللواء علي فدوي نائب قائد الحرس الثوري الإيراني في تصريحات له في22 أغسطس2020، إن بلاده لن تسمح بفتح أبواب المنطقة لإسرائيل، عبر بعض دولها ” وحذر هذه الدول – دون ذكر اسمها – من تداعيات التعاون مع إسرائيل قائلاً : أن أي خطوة لفتح أبواب المنطقة للكيان الصهيوني ستجلب الهزيمة والمذلة للدول التي تتعاون مع الصهاينة فهذه الدول لن تكون بمأمن من تداعيات خطوات التطبيع ، وأن قصور حكامها الزجاجية لن تحميهم أمام قوة الثورة الإسلامية ولن تصمد أمام أحجار أطفال فلسطين” ، كذلك دون مساعد رئيس البرلمان الإيراني للشؤون الدولية حسين أمير عبداللهيان تغريدة قال فيها “علي حكام الإمارات والبحرين اكتساب الدروس والعبر من التاريخ, فاتفاق المساومة بين النظام البحريني والكيان الاسرائيلي المختلق خيانة لأهداف الإسلام والشعب الفلسطيني في تحرير القدس الشريف , وأنه علي حكام الإمارات والبحرين غير الأكفاء أن لا يمارسوا تعبيد الطريق لمشاريع الكيان الصهيوني في المنطقة والتفكير في التبعات الشديدة واكتساب الدروس والعبر من التاريخ لأن حبل أمريكا قد تآكل منذ فترة طويلة ” . 

لم تكن إتفاقيتي التطبيع بين الإمارات ثم البحرين إلا إمتداداً أو لنقل فصلاً من فصول ما يُسمي بصفقة القرن , وكان الإعلان عن هذه الصفقة حافزاً لإماطة الإمارات والبحرين اللثام عن إرتباطهما بالكيان الصهيوني لتنتقل العلاقات من عتمة السرية إلي أضواء الفضيحة , والإتفاقيتان كصفقة القرن لهما إستخدامات متنوعة منها الإستخدام الإنتخابي للرئيس Trump الذي تدنت شعبيته بعد أن بلغت الذروة كما أنهما تحقيق للأحلام الدينية التي تراود الجانب الأعظم من المجتمع الأمريكي أي البروتستانت الذين يرون في تحقيق “دولة إسرائيل” تحقيق لنبؤة إنجيلية مجيئية , فوضع ومحاولة تنفيذ “صفقة القرن المزعومة” تم ويتم بالتعاون والتنسيق التام بين الإدارة الأمريكية والصهاينة وهي لا تخرج عن كونها خطة لتفكيك مكونات أي تفاوض مستقبلي مع الجانب العربي (الفلسطيني) , وفي سياقها كان الإعلان عن الإعتراف الأمريكي بسيادة الصهاينة علي الجولان المُحتل وفقاً لمرسوم رئاسي وقعه الرئيس الأمريكي Trump في 25 مارس 2019 والإعتراف بالسيادة الصهيونية علي أكثر من 75% من الضفة الغربية وفقاً لما ورد علي لسان السفير الأميركي في إسرائيل في مقابلة مع صحيفة New York Times في 8 يونيو 2019 التي قال فيها ” أنه لا يستبعد ضم إسرائيل لمناطق بالضفة الغربية المحتلة التي يسعى الفلسطينيون لإقامة دولة مستقلة عليها , وأن من حق إسرائيل أن تضم أجزاء من أراضي الضفة الغربية إليها وليس كافة الأراضي” , وكذلك الإعلان الأمريكي في 6 ديسمبر 2017عن إعتراف الولايات المتحدة رسميًّا بالقدس عاصمة لإسرائيل ثم الإعلان في فبراير 2018 من قبل الخارجية الأمريكية عن ” قرارها نقل سفارتها في إسرائيل من تل أبيب إلي القدس ” إعتباراً من مايو 2018 بالتزامن مع الذكرى السبعين لقيام دولة الكيان الصهيوني” , ووسط كل ذلك الركام جري الإعلان عن “صفقة قرن” مُفترضة قيل أن Jared Kushner كبير مستشاري الرئيس الأمريكي Donald Trump ومعهJason Greenblatt الممثل الخاص للرئيس في المفاوضات الدولية إثنان من أربع رسميين أمريكيين مُطلعين علي تفاصيلها , تلك الصفقة التي سوقها Kushner و Greenblatt وبحثاها مع زعماء شرق أوسطيين معنيين وهي صفقة نُشرت بصور مختلفة , وفي كل هذه الصور تجدها مُؤسسة علي فكرة تبادل الأراضي أو تكوين كيان وليس دولة للفلسطينيين , مما دفع بالجانب الفلسطيني إلي رفض هذه التسوية المزعومة التي وصفها الرئيس محمود عباس ” ببصقة القرن” , كذلك أعلن إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في 5 يوليو 2017 في خطاب مطول له في مدينة غزة عن رفض حماس لهذه التسوية المزعومة قائلاً ” إن شعبنا واحد لا يقبل التجزئة وصاحب قضية عادلة لا تقبل القسمة وصاحب الحق الثابت في فلسطين التي لا يمكن التنازل عن ترابها , ولن نسمح أبدا بتمرير أي مشاريع تمس بالحقوق الفلسطينية الثابتة وأن الشعب الفلسطيني لم يفوض أي طرف فلسطيني أو عربي أو كائناً من كان بالتنازل عن حقوقه ومكتسباته .. وسنتصدى لأي صفقة مشبوهة تنتقص من أي شيء من حقنا التاريخي في فلسطين باعتبارها صفقة فاشلة لن تلزم الشعب الفلسطيني اليوم ولا في المستقبل ” .

وكانت خطة التفكيك المعروفة بصفقة القرن خطوة ضرورية – من وجهة نظر الأمريكان والصهاينة – حتي يتحرر من يقبلون الآن بعقد إتفاقيات سلام أو تطبيع من ربقة الثوابت العربية التي تبقي جزء يسير منها في المبادرة العربية التي أقرتها قمة بيروت العربية مارس 2002 وحتي تلك التي كانت إلتزاماً عربياً تجاوزتها صفقة القرن الإفتراضية والتي تماهت معها وأعترفت بها بل وتعاملت معها بعض النظم العربية ومن بينها الإمارات والبحرين , ولما كانت هاتين الدولتين الواقعتين علي الضفة الغربية من الخليج العربي قد وقعتا إتفاقية سلام مع الصهاينة , إذن فمن المنطقي جداً أن تُتبع بتوقيع إتفاقيات عدم إعتداء , وهنا مكمن الخطورة علي هاتين الدولتين , فإذا أفترضنا أن إيران بدأت عدواناً علي إيهما جاز للكيان الصهيوني – إن تضمن إتفاق كهذا بند للدفاع المُشترك – أن يتدخل , ويمكن إفتراض العكس وهو أنه بسبب البرنامج النووي العسكري الإيراني تكفل أي من الدولتين المُوقعتين أو كلاهما بموجب إتفاق عدم الإعتداء شن عملية عسكرية خاطفة علي أهداف عسكرية إيرانية بإعتبار الكيان الصهيوني لها بمثابة عدوان إو تهيداً لأمنه , وهذا ما أدركته إيران مبكراً فقد صرح أكثر من مسئول إيراني تعقيباً علي صفقة القرن وعلي رأسهم المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإيرانية علي خامنئي في 29 يناير 2020 بقوله : “إن صفقة القرن سياسة شيطانية تنتهجها الولايات المتحدة حيال الفلسطينيين , ورغما عن أنوف المسؤولين الأمريكيين لن تتحقق بتوفيق من الله أبدا سياسة أمريكا الشيطانية والخبيثة المسماة صفقة القرن ، كما أنهم يرتكبون حماقة رعناء بمساعيهم لتهويد بيت المقدس وقولهم بأنه يجب أن يكون بأيدي اليهود ” , أما الحرس الثوري الإيراني فقد أعلن أن ” صفقة القرن ستكون بداية لفصل جديد في إطار المقاومة للفصائل الفلسطينية , وأنه عندما ننظر إلى محتوى هذه الخطة ندرك أنها خطة من طرف واحد ولا تضم طرفا آخر يجعلها تثمر نتائج محددة ، وفي الحقيقة فإن ترامب وبخطته هذه كشف عن هزيمة صفقة أكبر خيانة في القرن.. صفقة القرن أحد الأخطاء الاستراتيجية التي لا يزال يرتكبها ترامب الأحمق” .

3- حتي لو لم تكن هناك صلة بين إتفاقيتي تطبيع العلاقات بين كل من الإمارات والبحرين من جانب والكيان الصهيوني من جانب آخر بصفقة القرن , فمن المرجح أن تُتبع إتفاقيتي السلام بين الكيان الصهيوني وكل من الإمارات والبحرين بتوقيع إتفاقيتين عسكريتين و / أو أمنيتين , وهو ما سبق وصرح به بالفعل وزير الخارجية الصهيوني في 6 أكتوبر 2019 خلال مشاركته في الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة إذ قال وبوضوح ” أن إسرائيل تأمل في تعبيد الطريق لإمكانية عقد صفقات سلام مع دول الخليج العربي من خلال السعي لإبرام إتفاقيات عدم اعتداء مع هذه الدول ” , ومن المُلفت للنظر تلك السهولة المُتوقعة من جانب هؤلاء مع مقترحات الصهاينة بشأن توقيع إتفاقية عدم إعتداء معهما , وهو موقف غريب إذا قيس بالمصاعب التي واجهت الدول الخليجية في مراحل مجلس التعاون الخليجي الأولي بشأن المُشاركة في تنظيم دفاعي واحد وهنا أشير إلي أنه خلال فترة الإعداد لإنشاء مجلس التعاون الخليجي وفي إجتماع عُقد بالرياض في 4 فبراير1981 ضم أعضاءه الستة طرح السعوديين مُقترح يُوجب علي أعضاء هذا المجلس بوضع مواردهم العسكرية معاً , لكن الجانب العُماني تقدم بإقتراح آخر تضمن خطة تقوم علي إسهام الدول الخليجية في نفقات التسليح التي تستخدمها السلطنة في حماية مضيق هورمز والتي قُدرت وقتذاك بنحو 150 مليون دولار تقدمها الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا مع إمكانية تشكيل قوة بحرية مُشتركة من دول الخليج , لكن المُقترح العُماني أثار إعتراضات خاصة من الكويت والعراق بسبب علاقة التعاون مع الغرب لحماية أمن الخليج , وفي 9 مارس 1981 عقد إجتماع لوزراء خارجية الدول الخليجية الست وبهذه المناسبة صرح وكيل الخارجية العُمانية ” بأن العمل الأمني لا يدخل ضمن إطار مجلس التعاون الخليجي وإنما سيبقي في إطاره ضمن التعاون الثنائي بين الدول الأعضاء وليس من مهام المجلس تنسيق العمل الأمني أو العسكري” , وفي مؤتمر القمة الخليجي في مايو 1981فكرت الكويت في دعوة العراق للإنضمام للمجلس , إلا أن وكيل الخارجية العُمانية يوسف العلوي كان قد صرح من قبل بأن ” مجلس التعاون الخليجي قبل كل شيئ ليس منظمة إقليمية بحيث يمكن لأي دولة في المنطقة أن تنضم إليه , إنما هو مجلس يضم دولاً مُتشابهة في الأنظمة السياسية والإقتصادية والإجتماعية وتسعي لأن يكون هذا المجلس بمثابة هيئة تنسيق بينها في المجالات المُتشابهة ” , وإزاء هذا الموقف العُماني الذي يتفق مع الرغبات الإيرانية صرح الشيخ زايد بن سلطان رئيس الإمارات عقب إنتهاء المؤتمر كرد علي الموقف العُماني بأن ” أي طلب للإنضمام من أي طرف سيُنظر إليه في حينه ” , لكن دول مجلس التعاون إستطاعت التغلب علي أختلافاتها فوقعت في المنامة في 21 ديسمبر 2000 علي اتفاقية دفاعية عسكرية مشتركة نصت علي إلتزام الدول الأعضاء بالنظام الأساسي لمجلس التعاون واحترامها لميثاقي جامعة الدول العربية وهيئة الأمم المتحدة واستمرارها في تطوير قوة درع الجزيرة , والسؤال الذي يثور بعد توقيع إتفاقيتي السلام المُشار إليهما هو : هل هناك ثمة تضارب بين هذه الإتفاقية العسكرية المُشتركة وبين إتفاقيات عدم الإعتداء المُتوقعه بين الإمارات والبحرين وبين الكيان الصهيوني؟ وما هو رد الفعل الإيراني في حالة توقيع إتفاقيتي عدم الإعتداء أو الدفاع المُشترك مع الكيان الصهيوني ؟ وما هي العلاقة التي سنشأ بين القيادة العسكرية الوسطي للولايات المتحدة USCENTCOM وبين ما يُدعي ” بجيش الدفاع الصهيوني ” فيما يتعلق بأمن الخليج العربي ومواجهة إيران فيه أو حوله ؟ , تتابع الأحداث بمنطقة الخليج فيما يتعلق بالإقتراب الصهيوني من الإمارات والبحرين يُشير إلي أنه في المُستقبل القريب ستوقع كلا من الإمارات والبحرين بحجمهما العسكري الحقيقي إتفاقية عدم إعتداء أو دفاع مُشترك مع الكيان الصهيوني فمن الوجهة المنطقية بدون توقيعهما إتفاقية كهذه فإن إتفاقيتي السلام أو التطبيع اللتين وقعتهما الإمارات والبحرين مع الكيان الصهيوني ستكونان بلا مضمون عملي فلم تكن كلاهما ولا تستطيعا ان تكون مصدراً لتهديد الصهاينة ولا دخلتا حرب ضدها , لذلك تعتبر إتفاقيتي التطبيع معبراً للوصول لتوقيع لاحق علي إتفاق دفاع مُشترك , فالسلعة التي تحتاجها كل من الإمارات والبحرين هي سلعة أو خدمة الدفاع والحماية التي جاهر الرئيس الأمريكي Trump بأن بلاده توفرها لملك السعودية وعائلته , وبالتالي ففي النهاية ستُفرض علي منطقة الخليج الحماية الأمريكية / الصهيونية بموجب إتفاقيات رسمية مُعتمدة وليس حماية عرفية كالتي تتوفر حالياً لهذه المنطقة بواسطة العسكرية الأمريكية (القيادة العسكرية الأمريكية المركزية USCENTCOM) وهي الخطوة الأخطر في مرحلة الإعداد للإنقضاض علي إيران , لكنها تعني علي الأمد الطويل أن هذه الدول طلبت أن تتحول إلي محميات Protectorates من جديد لكن هذه المرة طواعية .

4- لإرتباط ذلك برصف وتعبيد جبهة الإنقضاض علي إيران تبذل الولايات المتحدة جهودها بمعاونة صهيونية أو بدونها لإعادة وحدة الموقف الخليجي وفك الحصار والمقاطعة الرباعية التي فُرضت علي قطر في 5 يونيو 2017 , لأنه وإرتباطاً بالتوقيع المُرتقب لإتفاقيات عدم الإعتداء أو الدفاع المُشترك – حسب الحالة – مع دول بالخليج العربي , لابد من توحيد دول الشاطئ الغربي للخليج العربي بما يتيح إعداد كفء لجبهة الإنقضاض علي إيران , وفي هذا الصدد ناقش وزير الخارجية الأمريكي Mike Pompeo في مارس 2019 – وكرر ذلك تالياً – الحلول الممكنة للخلاف الدبلوماسي بين قطر وجيرانها الخليجيين خلال زيارة للكويت , وصرح في مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره الكويتي بأن أزمة السياسة الخارجية بين دول مجلس التعاون الخليجي وقطر ليست في مصلحة المنطقة أو العالم , ونريد (الولايات المتحدة) أن تعمل دول الخليج معا على مجموعة معقدة من التحديات التي تواجه كل منها , فلدينا جميعًا نفس مجموعة التهديدات وتهديدات القاعدة وداعش ، والتهديد من جمهورية إيران الإسلامية , إننا نعمل جميعًا بجد لإيجاد طريق للمضي قدمًا حتى يتسنى رأب هذا الصدع ” , فيما تدخل الجنرال David L. Goldfein رئيس أركان القوات الجوية الأمريكية في التعليق وبوضوح علي الأزمة الخليجية من المنظور العسكري الأمريكي فقال في كلمة له أمام مؤتمر لقادة القوات الجوية في الإمارات نُشر مُوجزها في 18 نوفمبر 2019: ” إنه يتوقع حلا وثيقا للأزمة الخليجية بين قطر من جهة والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والبحرين من جهة أخرى ، داعيا الأطراف لتوحيد قدراتها العسكرية وسط تصاعد التوترات مع إيران , مُضيفاً بأنه يأمل أن ينتهي الخلاف الخليجي قريبًا إذا توصل الطرفان إلى حل سياسي , وأهاب بدول الخليج على حل خلافاتهم والعمل معا لمواجهة التهديدات التي “تشكلها إيران على أمنها , قائلاً أنه عندما يتم إطلاق صاروخ أو طائرة مسيرة من إيران فلن يكون هذا هو الوقت المناسب لتسوية شكاوى الماضي وأن الوقت المناسب هو الآن أي اليوم , كما أشار إلى أنه لا يوجد بلد لديه كل ما يحتاجه للدفاع عن نفسه بمفرده , ولكن لدينا معًا كل ما نحتاجه للدفاع الجماعي , وأردف فقال , إن الولايات المتحدة ودول الخليج تواجه نفس العدو , وشدد علي أهمية مبدأ الأمن الجماعي ، مشيراً إلى أن أفضل فرصة للدفاع عن الإمارات تكون من قطر أو من عمان المجاورة ” .

5- مما لا شك فيه أن زيارة Benjamin Netanyahu رئيس وزراء الكيان الصهيوني لعُمان برفقة زوجته ووفد ضم رئيس الموساد ورئيس هيئة الأمن القومي مدير عام الخارجية ورئيس ديوان رئيس الوزراء والسكرتير العسكري لرئيس الوزراء بدعوة من سلطان عُمان قابوس بن سعيد في 25 /26 أكتوبر 2018 , كانت أحد الخطوات المُرتبطة بمرحلة الإعداد للإنقضاض علي إيران , وقد أكتسبت هذه الزيارة أهمية وخطورة إضافية بسبب توقيتها فتوقيتها سابق لإنعقاد ما سُمي بالمؤتمر الوزاري للسلام والأمن في الشرق الاوسط في Warsaw الذي هدفه الرئيسي تكوين تحالف أو قل جبهة ضد إيران وهو المؤتمر الذي عُقد برعاية أمريكية / بولندية في 14 فبراير 2019 بحضور ممثلين عن 60 دولة منهم عُمان والإمارات , وتعتبر هذه الزيارة وبغض النظر عن مستوي العلاقات العُمانية / الإيرانية إعلاناً عن نهاية حياد عُمان المُراوغ علي نطاق دول الخليج العربي وإيران وخطوة في طريق دمجها في جبهة الإنقضاض علي إيران , كما أن هذه الزيارة والتي تمت بدعوة أو بمبادرة من السلطان قابوس لا تحتاج إلي إتفاق سلام إلا لاحقاً , فخطورة الموقع الجيوسياسي لعُمان في جبهة الإنقضاض علي إيران تكفي – حتي إشعار آخر – إذ أن زيارة Netanyahu وكذلك إعلان Yisrael Katz وزير النقل والمُخابرات الصهيوني أمام مؤتمر الإتحاد الدولي لطرق النقل IRU الذي عُقد في مسقط في الفترة من 6 إلي 8 نوفمبر 2018 وحضره وشارك فيه بناء علي دعوة من الحكومة العُمانية , عن مشروع ربط ميناء حيفا الواقع بشرق البحر المُتوسط بالدول العربية الواقعة علي الخليج العربي من مسقط , فيهما ما لا يجشم عُمان -علي المدي القصير – عناء توقيع إتفاق سلام أو تطبيع مع الصهاينة , ولذلك أؤكد أنه بزيارة Netanyahu لمسقط طويت عُمان تحت جناحي الصهاينة والولايات المُتحدة وأصبح من الواضح أن جبهة مساحتها أعرض مما نتصور أُتيحت أمام العسكريتين الأمريكية والصهيونية بحيث ستكون معركة الإنقضاض علي إيران والحالة هذه بحجم يتناسب مع كونها معركة ذات هدف إستراتيجي وهو تدمير نظام قائم ومُتجذر في طهران منذ 1979 , وهذا الإنقضاض سيكون علي غرار الحالة العراقية في مارس / أبريل 2003 , وهي معركة إنقضاض ثقيلة بوزن خصمي إيران الرئيسيين أي الولايات المتحدة وكيان الصهاينة أما ما تُسمي بالدول العربية فكما أشرت فسوف لا يعدو أمرهم فيها كونهم من يؤدون الأدوار المُساعدة .

لعُمان إرتباطات عسكرية مختلفة مع حلف NATO وبطبيعة الحال مع الولايات المتحدة التي تتأسس علاقاتها بعُمان علي وثيقتين تتيح أحداهما نفاذا للولايات المتحدة بالمنشآت العسكرية العمانية أما الأخري فبشأن إقامة لجنة مشتركة للتعاون الاقتصادي والتقني وبموجبها تقدم الولايات المتحدة مساعدة اقتصادية لسلطنة عمان منذ تسعينيات القرن الماضي , وتعتبر الولايات المتحدة أن عُمان أقوي مؤيد للوجود الأمريكي في الخليج لأنها أتاحت وجوداً نوعياً للقوات الجوية الأمريكية بما في ذلك الخدمات اللوجستية لدعم 26000 وحدة عسكرية قوية توفرالمواد الاحتياطية الحربية للقوات الجوية الأمريكية والاحتياجات اللوجستية والتشغيلية لمنشآت القواعد الجوية الأمريكية الثلاثة في عُمان هي : السيب (لخدمة المحور الرئيسي للنقل والخدمات اللوجستية) ومصيرة (للإستطلاع للدفاع الجوي) وثمريت (قاعدة بحرية أمريكية) , كما أن لعُمان إرتباطات عسكرية مع دول أخري أعضاء بحلف NATO من مظاهرها التدريبات العسكرية المتنوعة مع بعضها , فمثلاً أجرت عُمان في نوفمبر 2019 مع الفرنسيين مناورة عسكرية مُشتركة إستغرقت 10 أيام في شمال فرنسا تحت مُسمي ” Le guerrier de la Montagne 3″ , وقبل ذلك شاركت البريطانيين في مناورة أخري .

لكن هناك أيضاً علي التوازي إرتباط عسكري بين عُمان وإيران يكتسب درجة خطورة عالية من كونهما مُتلامستان في إطلالتهما علي مضيق هرمز الذي يعتبر حالياً وحتي منذ عهد الشاه بمثابة فوهة بركان قابل للثورة بمجرد تجاوز التسخين العسكري الدرجة التي تحتملها إيران , وهو التسخين الذي من أسبابه أولاً التدخلات الخارجية تحت ذريعة حماية أمن مصالحها في الخليج وأغلبها بترولية أو التواجد البحري الحر فيه وثانياً إحتكاكات الدول الخليجية ببعضها البعض كما هو حادث حالياً في قضية الحصار والمقاطعة الرباعية لقطر , ونحكم عُمان وإيران في مضيق هورمز الإستراتيجي لذلك وقعت إيران وعُمان وثيقتين متداخلتين في موضوعهما هما (1)اتفاقية تعيين حدود الجرف القاري المُوقعة في 25 يوليو 1974 والتي تم التصديق عليها من قبل الدولتين (لم تكن أي من الحكومتين طرفًا في اتفاقية جنيف للجرف القاري لعام 1958) وتشير هذه الإتفاقية إلي أن الحدود بين البلدين تمتد لمسافة 124.85 ميلًا بحريًا وبها 22 محطة أونقطة تحول , ثم (2) وقعت الدولتان إتفاقية أخري في 26 مايو 2015لترسيم الحدود البحرية بينهما في بحر عمان صدقت عليها إيران في 18 يناير 2017 .

6- كان إعلان وزير النقل والمُخابرات الصهيوني Yisrael Katz من مسقط خلال مشاركته في مؤتمر الإتحاد الدولي لطرق النقل IRU الذي عُقد بمسقط في الفترة من 6 إلي 8 بدعوة من الحكومة العُمانية عن المشروع الصهيوني لربط ميناء حيفا الواقع بشرق البحر المُتوسط بدول الخليج العربي والذي تضمنته مبادرة صهيونية مُعلنة عنوانها : “مسارات للسلام الإقليمي Tracks for Regional Peace” , وسوف يُحقق هذا المشروع للصهاينة هدفاً مزدوجاً هو (1) ربط إقتصاديات دول الخليج وهي دول غير زراعية وبترولية تتمتع باليسر المالي Solvency بالصهاينة (2) عزل إيران تماماً عن دول الخليج العربي تجارياً وعسكرياً , وفي تقديري أنه من بين نتائج تنفيذ المشروع :

1- تناقص مُضطرد للقدرة الإيرادية لقناة السويس جنباً إلي جنب مع طريق الحرير الصيني وشبكات الناقلة للبترول والغاز بين روسيا والإتحاد الأوروبي والتي في تركيا وغيرهما , وبالتالي ستتناقص أيضاً أهمية المنطقة الإقتصادية بقناة السويس هذا بالإضافة إلي تناقص الجاذبية الإستثمارية لمصر بوجه عام مما يؤدي تراكمياً إلي أفول الأهمية الجيوسياسية لمصر التي كانت قناة السويس أحد أهم دعائمها وهو هدف إماراتي / صهيوني مُشترك فلم يكن من المتصور دور ما أي دور مهما كان متواضع للإمارات إلا بزوال الدور العراقي الذي بلغ ذروته إبان عهد الرئيس صدام حسين , وهو ما يشير إلي أن من بين أهداف الإمارات الإستراتيجية أزاحة أو إضعاف الدول العربية ذات الدور والسعودية مُرشحة لإستهداف الإمارات لها . 

2- التأثير علي قيادة مصر للعالم العربي ومستقبل العمل العربي المُشترك , فالكيان الصهيوني إن أصبح هذه الخط الحديدي الرابط بينها وبين دول الخليج العربي واقعاً فسيكون الكيان الصهيوني قاطرة العمل الشرق أوسطي المُشترك فلا عمل عربي مُشترك والحالة هذه , ويحقق للكيان الصهيوني السيادة الإقتصادية والسياسية علي العالم العربي بمعونة من الولايات المتحدة وحلفاءها بحلف شمال الأطلنطي وقوي دولية بل وإقليمية أخري خارجه .

3- سيتدعم مركز الكيان الصهيوني في الإتحاد من أجل المتوسط وربما يعطي هذه المنظمة التي تحتضر قبلة الحياة علي أساس أن الكيان الصهيوني سيكون همزة وصل بين الإتحاد من أجل المتوسط ودول خليجية غير متوسطية .

4- سيكون هناك تأثير سلبي ومُضطرد مُتوقع علي موانئ لبنان (قد يكون تدمير ميناء بيروت بالأمونيوم خطوة من خطوات تمهيدية للإنقضاض علي إيران فالميناء ذا صلة بتوريدات عسكرية لإيران نفسها وللعسكرية الإيرانية في سوريا) ويؤثر هذا علي الدرجة العالية من التنافسية التي للمنتجات الإيرانية والتركية بالأسواق الأردنية والسورية والتي بدول الخليج العربي , فحيفا لو نُفذ هذا المشروع ستكون صرة لأنشطة النقل logistic hub علي إختلافها وما يرتبط بها من أنتشطة خدمية أخري غير لوجيستيكية , وسيتيح مشروع الخط الحديدي منفذا لتسويق المنتجات والسلع المُنتجة بالكيان الصهيوني علي حساب إيران ومصر وربما لبنان وسوريا وغيرهم ..

5- قد يُقام بالتوازي مع مشروع الربط بالسكك الحديدية بدول شبه الجزيرة العربية والعراق مشروع آخر لخط أنابيب البترول والغاز يصل من منابعه بهذه الدول للكيان الصهيوني ليُستهلك جزء منه وليصدر الكميات الضخمة الأخري للأسواق الأوروبية , ومن بين ميزات هذا الخط التي يُروج لها دعائياً توفير مزيد من التأمين للصادرات البترولية الخليجية بعيداً عن إحتمال إغلاق مضيق هرمز أمامها بما يؤثر سلباً وبشدة علي تدفق الصادرات البترولية لهذه الدول , إذ أن ربط دول الخليج العربية بميناء حيفا سيعني علي التوازي تنفيذ مشروعات لوجيستيكية أخري مُرتبطة بمد الخط الحديدي كمد طريق قاري يخترق شبه الجزيرة العربية وخط أنابيب للبترول والغاز ومطارات ونقاط عسكرية للدفاع عن الخط الحديدي والأنابيب مما سيستلزم توقيع إتفاقيات عسكرية بين الصهاينة والدول التي ستمر منها هذه الطرق وخطوط الأنابيب سواء تحت مُسمي الدفاع المُشترك أو أي مسمي آخر , وبطبيعة الصهاينة فستؤدي هذه المشروعات بالشراكة مع عدد من الدول القوية مالياً إلي تغذية الإقتصاد الصهيوني بعوائد إضافية ستترجم إلي رفع القدرات الصناعية الصهيونية ومنها صناعة السلاح التي ستنمو بإنفتاح علني علي الأسواق الخليجية , وقد أشار وزير النقل والمخابرات الصهيوني Yisrael Katz أن فكرة هذا المشروع ستجعل من الكيان الصهيوني جسراً برياً وتستفيد من موقعها بين قارات ثلاث , وأن هناك ثمة جوانب تاريخية وأمنية وإقتصادية ونقلية في خطة هذا المشروع , أما بالنسبة للجانب الأمني فالمشروع يتضمن إجابة علي التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز (ومن هنا يُفهم الدور الحيوي لعُمان في هذا المشروع) فمن بين مهام المشروع تحويل نقل السلع عبر البحر الأحمر لشحنها إلي الجهات النهائية بالخليج من الكيان الصهيوني .* (Jerusalem Post . بتاريخ 5 أبريل 2017) 

6– المشروع يعني النهاية العملية للمقاطعة العربية للكيان الصهيوني , وهي مقاطعة كانت في الواقع ولوقت طويل إفتراضية .

7- من المرجح في الفترة التالية لتنفيذ هذا المشروع أن يتقدم الكيان الصهيوني للأمانة العامة للجامعة العربية ليحصل علي صفة عضو مُراقب بها , وبذلك تنتهي هذه الجامعة التي كانت مقبرة للعمل العربي المُشترك فميثاقها غير منطقي ولا موضوعي .

7- من الصعب تصور تحقيق الولايات المتحدة لإنقضاض عسكري علي إيران فيما جبهتها في أفغانستان مفتوحة , وهي الجبهة الخلفية لإيران في هذه الحالة , ولهذا ولأسباب أخري مُتعلقة بمجمل الإستراتيجية العسكرية الأمريكية وتوجهها – كما يزعم الرئيس الأمريكي والبنتاجون – قررت الولايات المتحدة التركيز علي جبهتها مع الصين في بحر الصين الجنوبي وكذلك علي جبهتها مع الروس والمفتوحة في أوكرانيا وسوريا وليبيا وربما في مالي في أفريقيا حيث تعمل القيادة العسكرية الأمريكية لأفريقيا , ومن أجل ذلك تريد العسكرية الأمريكية التفرغ لأداء أقل عدد ممكن من الواجبات والمهام العسكرية وتمثل أفغانستان إستنزافاً لطاقة الولايات المتحدة العسكرية في حالة ما إذا كان في إمكان المفاوضين الأمريكان تحقيق نتائج تفاوضية مع طالبان التي دخلت هذه المفاوضات التفاوض دون إلتزام بوقف إطلاق النار , ومن الواضح حرص واشنطن علي طي ملف أفغانستان مع تحقيق ما يمكن تحقيقه من مصالح للولايات المتحدة وتبديد مخاوفها من نفاذ روسي جديد في أفغانستان , ولأهمية ذلك إجتمع الرئيس الأمريكي بنفسه مع زعماء طالبان في Camp Davidفي سبتمبر 2019 , وبعد ذلك تولت قطر إستضافة دورات التفاوض بين الأمريكيين وطالبان وتتهم قطر بأنها بإستضافتها لهذه المفاوضات قد أوقعت الإدارة الأمريكية في فخ وأنها بذلك تعد عدوا يتخفي في زي حليف , والحقيقة أن قطر أثبتت المرة تلو المرة أنها مرجعية في تنظيم المفاوضات والإشراف عليها بل ورعايتها من الإنحراف عن أهدافها , أثبتت ذلك في قضية دارفور وفي الخلاف الحدودي بين أرتريا وجيبوتي عام 2010 , وفي هذا الإطار واصلت قطر رعاية مفاوضات طالبان مع الإدارة الأمريكية التي عقدت دورتها الثامنة في الدوحة في مستهل سبتمبر 2020 بالتوازي مع حوار بين طالبان ومسئوليين أفغان من أجل وضع خارطة طريق للمستقبل السياسي لأفغانستان , لكن الأهم هو تلك الجولات التفاوضية بين طالبان والأمريكان وهي جولات يبدو فيها أن الجانب الأمريكي يقدم تنازلات لطالبان بل إن أقصي ما تتمناه الإدارة الأمريكية خلال التفاوض تعهد طالبان بألا تهاجم مصالح الولايات المتحدة بعد إنسحابها من أراضي أفغانستان , مما اشعر حكومة كابول بأنها بيعت , لدرجة أنه بعض المسئوليين إنشقوا وأنضموا لجانب طالبان , وتمضي هذه المفاوضات إلي وجهتها النهائية أي إلي تحقيق الإنسحاب الأمريكي وملاً طالبان للفراغ الحادث نتيجة إنسلاخ العسكرية الأمريكية من هذا البلد وبالتالي تتزايد إحتمالات عودة طالبان للحكم , لكن ما مدي إلتزام طالبان بالمتطلبات الأمنية الأمريكية والتي من أخطرها علاقة طالبان بإيران وروسيا ؟ لا أحد يعلم ما وضعته الولايات من متطلبات قدمتها لمفاوضي طالبان في صيغة تشير إلي أنها “رغبات أمريكية” وليست “شروطاً مُسبقة” , فالأمريكيون معنيون بذلك , وقد تضمن تصريح لوزير الدفاع الأمريكي James Mattis أدلي به في 28 سبتمبر إنتقاداً لروسيا ولإيران لإمدادهما مقاتلي طالبان بدعم عسكري ومالي , وجاء تصريحه عقب تواتر إتهامات لإيران تفيد بأن الحرس الثوري الإيراني يقاتل جنباً إلي جنب مع طالبان وأن روسيا أمدت هؤلاء المقاتلون بأسلحة خفيفة عبر إيران , فكلا من روسيا وإيران مُتشوقتان لفتح جبهة إستنزاف مُتسعة يمكن فيها إصطياد العسكرية الأمريكية وغرس أنفها في الرغام , بالرغم من أن هناك بعض التباين بين الموقفين الروسي والإيراني من دعم طالبان , فروسيا تساورها خشية علي علاقاتها بكل من Uzbekistan و Tajikistanإذا ما تبنت نهج الدعم المفتوح لطلبان , أما إيران فقد أنشأ الجيش الإيراني منذ عام 2002 تحالفات مع جماعات متمردة سنية تهدف إلى “تحرير” أفغانستان من القوات الأمريكية , وبررت الحكومة الإيرانية هذه التحالفات بأنها بسبب الوجود الكبير للقوات الأمريكية على حدود إيران الذي يشكل تهديدًا لأمن إيران , ولذا كان التعاون العسكري الإيراني مع طالبان أكثر شمولاً في المقاطعات الغربية الثلاث لأفغانستان المتاخمة لإيران , كذلك ومنذ عام 2015 قام الحرس الثوري الإيراني بتسليح وتدريب طالبان في غرب أفغانستان لضمان إقامة منطقة عازلة مناهضة للولايات المتحدة وموالية لإيران على الحدود الإيرانية الأفغانية وبالطبع فقد تابعت الولايات المتحدة ذلك , وفي كل الأحوال وحتي الآن من المرجح أن تتحقق رغبة إيران في منطقة نفوذ دائمة في غرب أفغانستان من خلال الوسائل العسكرية بدلاً من الوسائل الدبلوماسية ، وتفسر هذه التطلعات الإيرانية خلافها الضمني مع روسيا حول الحاجة إلى تسوية سياسية وشيكة , إذ أن هناك ثمة تباين بين رؤية الروس والإيرانيين لتوقيت وكيفية التسوية السياسية للصراع بأفغانستان ، فإيران تري أن نفوذها في أفغانستان سيتعاظم إن كان التحول نحو التسوية السياسية تدريجياً , فيما تري روسيا ضرورة الانتقال من الصراع العسكري إلى مرحلة الحل الدبلوماسي لحرب أفغانستان في أقرب وقت ممكن , وأيا كانت كيفية الإنتقال من الوضع الحالي وهو الإحتلال الأمريكي لأفغانستان إلي تطبيع الوضع السياسي وفقاً لأوزان القوي الأفغانية علي الأرض وهي الأوزان التي تعلم الولايات المتحدة والروس والإيرانيين الوزن الراجح بين هذه القوي , إلي أن تنتهي المفاوضات الأمريكية مع طالبان فستعمل الدبلوماسية الأمريكية وبمشورة البنتاجون علي تحقيق إنسحاب أمريكي أقل مهانة من الإنسحاب الأمريكي من فيتنام , وهذا الإنسحاب قد تستفيد منه إيران علي نحو خاص وهو ما يجعل الإنقضاض عليها من الخلف أمر يقترب من المستحيل بإفتراض يقاء العوامل المؤدية إلي ذلك كما هي الآن , أو لنقل مالم يتفق الأمريكيون مع طالبان علي غير ذلك , لكن علي أية حال فالإنسحاب في حد ذاته تخلص من عبء عسكري أمريكي ثقيل بلا طائل يمكن الإستفادة من التخلص منه وبثقله في معركة الإنقضاض علي إيران التي يحاول الإمريكيين تأجيلها ما أستطاعوا إلي ذلك سبيلاً , إذ ربما توصلوا لإتفاق نووي آخر يتمنونه , وإلي أن يحدث ذلك يسعي الرئيس الأمريكي لدي قطر عندما إلتقي بأميرها بالبيت الأبيض في 9 يوليو 2019 كي تبذل مساعيها الحميدة لدي إيران علي مسارين الأول تهدئة التوتر معها حتي يمكن السير في المسار الثاني وهو محاولة فتح ثغرة للنفاذ لإتفاق نووي جديد , ويلغي أي خطط للإنقضاض علي إيران بعد تبديد مخاوف الصهاينة .

لكني مع ذلك مازلت أفترض أن الإنسحاب الأمريكي من أفغانستان الذي يجري الإتفاق عليه تفاوضياً مع طالبان ما هو إلا مناورة أمريكية لتسكين الجبهة الأفغانية كما فعلت مع العرب عندما طرح الرئيس Bush الرؤية الأمريكية للسلام في الشرق الأوسط في 24 يونيو 2001 لتسوية القضية الفلسطينية ثم ذهبت أدراج الرياح بعد الغزو الأمريكي للعراق والإطاحة بنظام الرئيس صدام حسين , لأن هذه الرؤية إنما طُرحت لا لشيئ إلا لتسكين الجبهة المحيطة بعملية الغزو العسكري الأمريكي للعراق ليس إلا , وهو نفس ما يفعله الأمريكيين مع طالبان الان وإن بأسلوب وصياغات مختلفة , لكن الهدف النهائي واحد ألا وهو تسكين الجبهة الأفغانية التي تماثل منطقة الظهر للجسم الجغرافي الإيراني ريثما يتم الإنقضاض بنجاح علي إيران .

المواقع الإفتراضية للهجوم والهجوم المُضاد :

ستكون المنشآت النووية الإيرانية الهدف الرئيسي إذا ما نُفذت عملية الإنقضاض الأمريكي/الصهيوني علي إيران بالإضافة إلي أهداف ثانوية أخري في مقدمتها القاعدة الجوية الإيرانية الواقعة بجبل حريم أعلى جبل في مسندم (معظم سكان مسندم هم أعضاء قبيلة الشيح السنية) وهي نقطة إستراتيجية تطل على منطقة الخليج بأكملها ويُقدر بعض المهتمين بالأوضاع الأمنية بالخليج أن الإيرانيين طوروا القاعدة لاستهداف دولة الإمارات ، وتأتي أهمية شبه جزيرة رأس مسندم في أنها الموقع الذي يمكن لعُمان منه التحكم في مضيق هرمز وإغلاقه ومنع الحركة البحرية بالتالي في الخليج العربي , وهذه القاعدة الإيرانية بالرغم من كونها نقطة إيرانية مُتقدمة داخل أراضي أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة في الخليح إلا أنها قاعدة وافقت عُمان لإيران علي إقامتها في أقصي شمال عُمان حيث شبه جزيرة رأس مُسندم المُلاصقة لإمارة راس الخيمة أحد الإمارات الداخلة في دولة الإمارات العربية المُتحدة في إطار سياسة عُمان لتحقيق توازن بين أطراف الصراع في أو علي الخليج العربي , وهذه القاعدة بقدر ما هي قاعدة مُتحكمة في مدخل خليج هرموز إلا أن إستهدافها من العسكرية الأمريكية في المتناول نظراً لكثافة الوجود العسكري الأمريكي بعُمان , ومن جهتها فإنه يُعتقد أن هناك 8 قواعد عسكرية أمريكية رئيسية تمثل أهدافاً عسكرية يمكن لإيران مهاجمتها وهي : (1) قاعدة الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية بالبحرين و (2) قاعدة الشيخ عيسى الجوية بالبحرين (3) قاعدة الوليد بقطر (4) قاعدة علي السالم بالكويت و(5) قاعدة أحمد الجابرالجوية بالكويت و(6) قاعدة الظفرة الجوية بالإمارات العربية المتحدة و(7) قاعدة ثمريت التابعة للبحرية الأمريكية بعُمان (8)القاعدة الجوية الأمريكية في بهرام بأفغانستان , ويُضاف إلي هذه المواقع المُتناثرة علي رقعة عريضة بالشرق الأوسط هدف آخر لا يقل أهمية وسهولة نسبية وهو الوجود العسكري الأمريكي بالعراق وهو ما تتحسب له العسكرية الأمريكية . 

ويستمر التسخين العسكري بين الأمريكيين والصهاينة من جانب وإيران من الجانب الآخر وفي هذا الإطارإفتتح الحرس الثوري الإيراني بحضور اللواء حسين سلامي قائده في 23 سبتمبر 2020 قاعدة الشهيد راهباري البحرية الجديدة علي الضفة الشرقية لمضيق هرمز بقرب ميناء Sirik الإيراني بولاية Hormozgan وهي قاعدة جري العمل علي إقامتها منذ 6 سنوات والمُفترض نهاية هذه الأعمال بنهاية السنة الإيرانية الحالية أي في 20 مارس 2021 , ومن شأنها منح القدرات العسكرية الإيرانية قدرة أعلي علي التحكم والسيطرة علي حركة مختلف القطع البحرية المارة لداخل وخارج الخليج العربي وخليج عُمان المُفضي للمحيط الهندي , وذلك عبر مضيق هرمز الإستراتيجي , فإيران تدرك أن لدي الأمريكيين والصهاينة هدف مُشترك ألا وهو تدمير إيران بمجملها بما فيها برنامجها النووي , ولذلك تفترض القيادة الإيرانية أسوأ السيناريوهات صيانة لأمن إيران القومي .

في التقدير أن :

ما تقدم بيانه هوبعض خطوات تتخذها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني إعداداً لمرحلة الإنقضاض علي إيران , وهو نفس السلوك الذي إتبعتاه قي الإنقضاض علي العراق للإطاحة بنظام الرئيس صدام حسين , وتأكيداً لذلك أذكر أنني كتبت تحت عنوان : ” المُتغيرات التي يمكن أن تؤثر علي إقامة الدولة الفلسطينية” ضمن رسالة نيل زمالة كلية الدفاع الوطني في أبريل 2003 أي بعد الغزو الأمريكي الأطلنطي للعراق ما نصه : ” ثالثاً- إن نجحت الضربة الأمريكية وكان من أهدافها تقسيم العراق أو إضعافه , فإن الإتجاه التقسيمي قد يزحف علي باقي الوحدات السياسية المجاورة للعراق وربما أدي لتغيرات في الأوزان النسبية لدول إقليمية مؤثرة ” و ” رابعاً- قد يؤدي تغيير الوضع وتحقيق الأجندة الأمريكية إلي فرض تسوية أمريكية/ صهيونية للمشكلة الفلسطينية وربما كانت أدني من الحد الأدني المٌتاج حالياً ” , والمُتاح حالياً كان هو بالضبط موضوع وعنوان رسالة الزمالة وهو:” الدولة الفلسطينية المُنتظرة في ظل المُتغبيرات العالمية والإقليمية” , فالأمريكيون والصهاينة – كما يفعلون الآن مع إيران للأنقضاص عليها – ولتحييد الحكام العرب الذين فيهم من الجهل بقدر ما فيهم من الخيانة والهوان والمذلة , قام الرئيس Bush في 24 يونيو 2001 بإعلان ما سُمي آنئذ بالرؤية الأمريكية الجديدة للسلام في الشرق الأوسط وكانت رؤية تُعد ثورية إن قيست بمسير الرؤي الأمريكية السابقة للسلام منذ عهد الرئيس Harry S. Truman حتي الرئيس Bill Clinton , وتضمنت رؤية Bush تلك 5 نقاط أولها : قيام دولة فلسطينية ذات سيادة وتقديم مساعدات ودعم كبير للفلسطينيين في مسيرتهم نحو بناء دولتهم بناء علي إجراءهم أصلاحات شاملة في السلطة الفلسطينية وتغييراً في قيادتها, ولم تكن هذه الرؤية سوي مخدر يتم به تسكين الوضع في الشرق الأوسط وتحييد مواقف الدول العربية بتقديم مقابل مزيف مرهون بالمستقبل غير المنظور ريثما يمكن للأمريكيين غزو العراق وهو معزول وفي أيدي حكام العرب حل للقضية الفلسطينية يكون مبرراً لهم أمام شعوبهم للتخلي عن العراق ولكي يظهر الأمريكان من جهة أخري أمام الشعوب العربية وكانهم مع الحق العربي ولو جزئياً كيما يتفرغوا لتدمير العراق ايضاً , ولذلك نجح الأمريكيين في غزو العراق بمعونة حكام العرب كل بحكم مسافته وهي في الواقع كانت بعيدة عن العراق وعن القضية الفلسطينية , وفي ظل هذه الرؤية الأمريكية التي أستخدمها الأمريكيون كستار يخفي هدفهم الحقيقي ألا وهو غزو العراق , ثم بعد ذلك ذابت تلك الرؤية الأمريكية في مياه الإستبداد والجهل والهوان العربي , وكما ترك العرب العراق والسودان وحدهما تركوا فلسطين إلي أن أعلنت إدارة جمهورية أخري يتولاها Donald Trump عن صفقة القرن وهي كما توقعت في رسالتي المُشار إليها أدني من الحد الأدني الذي تضمنته رؤية الرئيس الأمريكي الأسبقBush للسلام في الشرق الأوسط والتي أعلنها في 26 يونيو 2001 . 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق